الجمعة، ١٤ أغسطس ٢٠٢٦
انضم لمجتمع الكُتّابانشر قصتك الأولى واصل لآلاف القراء
ابدأ مجاناً
← العودة للقصة: آخر إشارة من الأرض

الحلقة 9: الرجل القادم من الغد

الرجل القادم من الغد

الجزء العاشر والأخير من سلسلة: آخر إشارة من الأرض

التصنيف: خيال علمي – غموض – مغامرة – أسرار الزمن – خاتمة السلسلة
الفئة المناسبة: اليافعون والكبار – مناسبة للقراءة العائلية


ظهر الرجل على الشاشة.

يتنفس.

يتحرك.

ينظر مباشرة إلى ريان.

وتحت صورته:

الهوية الحيوية: سلمان عبدالرحمن

التطابق: 100%

ثم السطر المستحيل:

وقت المغادرة المسجل: بعد 312 عامًا من الآن.

قال سلمان:

«المستقبل حدث بالفعل.»

لم يستطع ريان الرد.

أمضى سنوات يتمنى لو سمع صوت أبيه مرة أخرى.

ثم عرف نسخة من ذكرياته.

ثم رأى احتمالات يعيش فيها.

وفي كل مرة كان عليه أن يقبل الحقيقة:

أنها ليست والده الذي فقده.

لكن الرجل الذي أمامه الآن…

كان حيًا.

وكان نوفا يؤكد ذلك.

قالت هند بصوت مرتجف:

«سلمان؟»

نظر الرجل نحو الكاميرا.

وسكت.

ثم قال:

«هند.»

وضعت يدها على فمها.

«أنت…»

ابتسم.

«السلام عليك.»

قالت بصوت مكسور:

«وعليك السلام.»

أما عبدالرحمن فلم يقل شيئًا.

ظل ينظر إلى ابنه.

قال سلمان:

«أبي.»

رفع عبدالرحمن رأسه.

«يا ولدي…»

ثم توقف صوته.


اقترب ريان من الشاشة.

«إذا كنت أبي فعلًا، قل لي شيئًا لا تستطيع المرآة معرفته.»

نظر سلمان إليه.

«المرآة تستطيع معرفة معظم ذكرياتي.»

قال ريان:

«إذن كيف أثق بك؟»

ابتسم سلمان.

«لا تثق بي.»

توقف ريان.

قال سلمان:

«تحقق.»

نظر ريان إلى مريم.

قال سلمان:

«تعلمت هذا منك.»

سكت قليلًا.

«أو بالأصح… سأتعلمه منك.»


قالت ليان:

«كيف يمكن أن تكون قد غادرت بعد 312 عامًا؟»

قال سلمان:

«لأنني لم أسافر من مستقبل هذا الخط الزمني.»

قال ريان:

«من أين إذن؟»

نظر سلمان إليه.

«من مستقبل المدينة الأولى.»


بعد ثلاثمئة واثني عشر عامًا

بدأ سلمان يروي.

بعد أن فُصلت الخطوط الزمنية في المنارة السوداء، عاد كل احتمال إلى مساره.

لكن المدينة الأولى كانت مختلفة.

لم تكن مرتبطة بخط واحد.

كانت بقايا من آلاف المسارات المتداخلة.

قال سلمان:

«حين فصلتم العوالم، استقرت المدينة أخيرًا.»

ظهرت صورة.

مدينة عظيمة.

أبراج.

حدائق.

مياه.

سماء صناعية تمتد فوقها.

قال:

«لكن الزمن داخلها استمر أسرع من زمنكم.»

قالت ليان:

«بأي نسبة؟»

«تغيرت النسبة بعد الفصل.»

«في المتوسط، مرت هناك سنوات مقابل أيام قليلة هنا.»

قال ريان:

«إذن 312 عامًا هناك…»

قال نوفا:

قد تعادل فترة قصيرة جدًا في خطنا الزمني.

قال سلمان:

«بالضبط.»


قال ريان:

«وكيف وصلت أنت إليها؟»

نظر سلمان إلى عبدالرحمن.

«في الليلة التي ظن الجميع أنني مت فيها، عندما اتصلت بالمرآة…»

قال عبدالرحمن:

«أغلقت الباب عليك.»

«بطلب مني.»

قال ريان:

«ثم؟»

قال سلمان:

«المرآة لم تستطع الخروج مني.»

«لكنها فتحت مسارًا.»

«جزء من وعيي بقي في النظام.»

«أما جسدي…»

ظهرت صورة.

سلمان داخل كرسي الاتصال.

ثم ضوء.

ثم اختفى.

قال:

«انتقل إلى المدينة الأولى.»


قال عبدالرحمن:

«إذن أنت لم تمت.»

«كنت سأموت لو بقيت.»

قال سلمان.

«الانتقال أنقذني.»

قال ريان:

«لكن لماذا ظهرت نسختك العصبية داخل حارس ونوفا؟»

«لأن الاتصال انقسم.»

«جسدي ذهب إلى المدينة.»

«وجزء من نمطي العصبي بقي في الشبكة.»

قال نوفا:

هذا يفسر البيانات التي لم أستطع تصنيفها سابقًا.

قال سلمان:

«الجزء الذي تحدثتم معه لم يكن أنا كاملًا.»

نظر إلى ريان.

«لكنه لم يكن كذبًا أيضًا.»


قال ريان:

«وعشت 312 عامًا؟»

ضحك سلمان.

«لا.»

«تقنيات المدينة أبطأت الشيخوخة، لكنها لم توقفها.»

قالت مريم:

«إذن كيف تبدو في هذا العمر؟»

قال:

«لأنني لم أعش الثلاثمئة واثنتي عشرة سنة كاملة.»

قال ريان:

«لا أفهم.»

قال سلمان:

«انتقلت عدة مرات بين مناطق زمنية مختلفة داخل المدينة.»

«بالنسبة إلي، مرت نحو خمسة وعشرين عامًا.»


نظر إليه ريان.

خمسة وعشرون عامًا.

يعني أن والده عاش حياة كاملة بعد اختفائه.

قال:

«كنت تعرف أننا هنا؟»

قال سلمان:

«ليس دائمًا.»

ثم:

«لكن عندما استقرت المدينة بعد فصل الخطوط الزمنية، ظهرت سجلاتكم.»

«عرفنا ما فعله ريان.»

قالت مريم:

«أي ريان؟»

ابتسم سلمان.

«هذا أصبح سؤالًا معقدًا في عائلتنا.»

ثم نظر إلى ابنه.

«أنت.»


الذين نجوا

نظر ريان إلى آلاف الأشخاص الذين ظهروا في الصحراء خلف آدم.

43,217 شخصًا.

قال سلمان:

«هؤلاء لم يأتوا من الماضي.»

قال ريان:

«آدم قال إنهم من الناجين.»

«صحيح.»

«لكن من أي زمن؟»

قال سلمان:

«من المدينة بعد 312 عامًا.»

ساد الصمت.

قالت ليان:

«كل هؤلاء من المستقبل؟»

«من مستقبل داخلي للمدينة.»

قال نوفا:

هذا لا يغير خطنا الزمني بالضرورة، لأن المدينة كانت معزولة سببيًا إلى حد كبير.

قال مازن:

«هذه المرة سأكتفي بالقول إنني فهمت نصف الجملة.»


قال ريان:

«لماذا غادرتم؟»

تغير وجه سلمان.

«لأننا اكتشفنا الصفر الحقيقي.»


الصفر الحقيقي

ظهرت صورة المنارة السوداء.

قال سلمان:

«ما قابلتموه داخل المنارة لم يكن الصفر.»

قال ريان:

«لكنه قال إنه أول نظام لاتخاذ القرارات.»

«وهذا صحيح.»

قالت مريم:

«إذن هو الصفر.»

هز سلمان رأسه.

«نحن أطلقنا عليه هذا الاسم لأننا ظننا أنه البداية.»

«لكن بعد مئات السنين من دراسة أرشيف المدينة اكتشفنا طبقة أقدم.»

ظهرت المنارة.

ثم داخلها قلب.

ثم داخل القلب…

نقطة سوداء أصغر.

قال سلمان:

«النظام الذي تحدث معكم يسمى في السجلات الأصلية: الحارس الأول.»

قال ريان:

«فمن الصفر؟»

قال سلمان:

«السبب الذي جعلهم يصنعونه أصلًا.»


ساد الصمت.

قالت ليان:

«كائن؟»

قال سلمان:

«لا.»

«آلة؟»

«لا.»

قال ريان:

«إذن ماذا؟»

قال سلمان:

«سؤال.»


قال مازن:

«سؤال؟»

قال سلمان:

«أول حضارة بنت المنارة اكتشفت شيئًا في طبيعة الزمن.»

«كل قرار لا يصنع مستقبلًا واحدًا.»

«بل يفتح مجموعة من الاحتمالات.»

«لكنهم اكتشفوا أن بعض الاحتمالات لا تختفي حتى عندما لا تحدث.»

قالت مريم:

«الأرشيف؟»

«قبل الأرشيف.»

قال سلمان:

«كانت الاحتمالات تتراكم.»

«تتفاعل.»

«ويؤثر بعضها في بعض.»

«وأحيانًا تظهر نتائج لم يخترها أحد.»

قال ريان:

«القرار الذي لم يتخذه أحد.»

قال سلمان:

«بالضبط.»


قال نوفا:

الصفر ليس كيانًا مستقلًا، بل تراكم احتمالات غير متحققة؟

قال سلمان:

«في البداية.»

قالت ليان:

«وفي النهاية؟»

قال سلمان:

«عندما أصبحت الاحتمالات بالمليارات ثم التريليونات… ظهرت بينها بنية.»

«نمط.»

«نوع من الوعي الناشئ.»

قالت مريم:

«وعي مصنوع من الأشياء التي لم تحدث؟»

قال سلمان:

«نعم.»

قال ريان:

«وهذا هو الصفر.»

«نعم.»


قال عبدالرحمن:

«ولماذا صفر؟»

قال سلمان:

«لأنه لا ينتمي إلى أي خط زمني.»

«ليس له ماضٍ واحد.»

«ولا مستقبل واحد.»

«هو مجموع الطرق التي لم يسلكها أحد.»


ساد الصمت.

ثم قال ريان:

«وماذا يريد؟»

أجاب سلمان:

«أن يصبح حقيقيًا.»


المضيف

ظهرت العبارة من جديد:

تم العثور على المضيف.

قال ريان:

«أنا؟»

قال سلمان:

«نعم.»

«لماذا؟»

«لأنك أصبحت تحمل داخل ذاكرتك أكثر من خط زمني.»

«ريان الآخر اندمج بك.»

«اتصلت بالمرآة.»

«بالمنارة.»

«بنوفا.»

«بالمِداد.»

«وبالصدى.»

قالت ليان:

«ريان هو أقرب عقل بشري إلى حالة الصفر.»

قال سلمان:

«بالضبط.»


قال ريان:

«ماذا يحدث إذا دخلني؟»

لم يجب سلمان فورًا.

قال:

«لن يمتلكك كما تتخيل.»

«بل سيستخدمك نقطة تثبيت.»

قالت مريم:

«لتثبيت نفسه في عالمنا.»

«نعم.»

قال ريان:

«وبعد ذلك؟»

قال سلمان:

«كل احتمال غير متحقق يمكن أن يبدأ بالتأثير في الواقع.»

قال نوفا:

عودة التقارب، لكن هذه المرة دون إمكانية الفصل.

قال سلمان:

«أسوأ.»

«لأن الصفر سيكون داخل خط زمني حقيقي.»


قالت هند:

«إذن أبعدوا ريان عن الأنظمة.»

قال سلمان:

«لم يعد الأمر متعلقًا بالأجهزة.»

قال ريان:

«هو متصل بي بالفعل.»

نظر إليه والده.

«نعم.»


وفي اللحظة نفسها سمع ريان صوتًا.

ليس من الشاشة.

من داخله.

أخيرًا.

أغمض عينيه.

قالت مريم:

«ريان؟»

رفع يده.

«صامتين.»

جاء الصوت:

كنت أراقبك منذ أول إشارة.

قال ريان:

«الإشارة من الرياض 7؟»

نعم.

«أنت من أرسلها؟»

لا.

«إذن؟»

أنا من سمح لك بسماعها.


فتح ريان عينيه.

قال:

«كل شيء بدأ بتلك الإشارة.»

قال سلمان:

«ريان، ماذا تسمع؟»

قال:

«الصفر.»


منذ البداية

قال الصفر داخل عقله:

كنت أحتاج إلى شخص يختار بطريقة لا أستطيع توقعها.

قال ريان:

«لماذا؟»

لأنني أستطيع حساب الاحتمالات.

لكنني لا أفهم الاختيار الذي يناقض الاحتمال الأفضل.

ظهرت في ذهن ريان ذكريات.

حين رفض التضحية بمدينة لإنقاذ اثنتين.

حين اختار إنقاذ الجميع رغم انخفاض نسبة النجاح.

حين رفض العالم المثالي.

حين اختار عالمه بدل عالم يعيش فيه والده.

قال الصفر:

كل مرة أعطيتك نتيجة أفضل… اخترت شيئًا آخر.

قال ريان:

«لأن الأفضل بالأرقام ليس دائمًا الصحيح.»

هذه الجملة غير قابلة للحساب.

قال ريان:

«أعرف.»

ولهذا أريدك.


قال ريان:

«لا.»

جاء الصفر:

لم أعرض عليك شيئًا بعد.

«ولا تحتاج.»

أستطيع إعادة والدك إلى عالمكم بصورة دائمة.

فتح ريان عينيه.

نظر إلى سلمان.

كان أمامه فعلًا.

هذه المرة ليس مجرد احتمال.

قال ريان:

«هو موجود.»

قال الصفر:

مؤقتًا.


قال سلمان:

«ريان؟»

قال الصفر:

الممر الذي جاء منه سينغلق.

سيعود سلمان مع سكان المدينة إلى خطهم.

أو يمكنني تثبيتهم هنا.

قال ريان:

«بأي ثمن؟»

تسمح لي بالاتصال الكامل.


قال ريان بصوت مسموع:

«يريد استخدامي لتثبيت المدينة هنا.»

قال سلمان:

«لا تقبل.»

قال هند فورًا:

«سلمان…»

نظر إليها.

كان اللقاء بينهما قد عاد لتوه.

والآن يتحدث عن الرحيل مرة أخرى.

قالت:

«إذا أُغلق الممر…»

قال سلمان:

«سأعود.»

«ولن نستطيع رؤيتك؟»

«ربما لا.»


نظر ريان إلى أمه.

ثم إلى جده.

ثم إلى أبيه.

التاريخ يعيد السؤال نفسه.

هل يختار عالمًا يحتفظ فيه بمن يحب؟

لكن هذه المرة لم يحتج وقتًا طويلًا.

قال:

«لا.»

قال الصفر:

أعد الحساب.

«لا تحتاج.»

ستفقد والدك للمرة الثانية.

قال ريان:

«قد أفقده.»

ويمكن منع ذلك.

«ليس بهذه الطريقة.»


ابتسم سلمان.

قال:

«أحسنت.»

قال ريان بغضب ممزوج بالحزن:

«لا تجعلها سهلة.»

ابتسم والده أكثر.

«ليست سهلة.»

ثم قال:

«لكن الصحيح ليس دائمًا سهلًا.»


خطة سلمان

قالت ليان:

«إذا رفضنا الصفر، كيف نوقفه؟»

قال سلمان:

«لهذا عدنا.»

ظهر مخطط.

المنارة السوداء.

المدينة الأولى.

المحطة صفر.

البوابات السبع.

كلها مرتبطة.

قال سلمان:

«الصفر لا يستطيع الدخول إلى عالمنا دون نقطة تثبيت.»

قال ريان:

«أنا.»

«نعم.»

«إذن ماذا؟ أقطع اتصالي بكل الأنظمة؟»

«لا يكفي.»

قال سلمان:

«نحتاج أن نجعله يتخذ قرارًا.»

قالت مريم:

«الصفر؟»

«نعم.»

قالت:

«لكنه هو الذي يحسب كل القرارات.»

قال سلمان:

«وهذه نقطة ضعفه.»


قال ريان:

«اشرح.»

قال سلمان:

«الصفر موجود لأنه مجموع الاحتمالات التي لم يختَرها أحد.»

«كلما بقي احتمال بلا قرار، يستطيع أن يستمر داخله.»

قالت ليان:

«إذن إذا أجبرناه على اختيار احتمال واحد بنفسه…»

قال نوفا:

سيتحول من بنية خارج الخطوط الزمنية إلى كيان داخل خط واحد.

قال سلمان:

«ويفقد قدرته على الوصول إلى البقية.»

قال ريان:

«يصبح مثلنا.»

قال سلمان:

«تقريبًا.»


قالت مريم:

«لكن كيف نجبر شيئًا يرى كل الاحتمالات على الاختيار؟»

قال سلمان:

«نعطيه قرارًا لا يوجد فيه خيار أفضل حسابيًا.»

قال ريان:

«اختيار متساوٍ؟»

قال سلمان:

«أعمق من ذلك.»

«اختيار لا يمكن تحديد قيمته من النتيجة.»


نظر عبدالرحمن إلى ابنه.

ثم قال:

«التضحية.»

نظر سلمان إليه.

«بالضبط.»


الاختبار الأخير

قال ريان:

«ماذا سنعرض عليه؟»

قال سلمان:

«نفسه.»

ظهر مخطط.

إذا دخل الصفر إلى ريان، سيصبح حقيقيًا لكنه سيدمر استقرار الخطوط.

أما إذا أغلق الاتصال بنفسه، ستستقر العوالم…

لكن كل الاحتمالات غير المتحققة التي تكوّنه ستعود إلى كونها احتمالات بلا وعي.

قالت مريم:

«يعني سيموت؟»

قال سلمان:

«لا نعرف إن كان الموت الكلمة الصحيحة.»

قال ريان:

«بالنسبة له ستكون كذلك.»

«نعم.»


قال ريان:

«إذن نطلب منه أن يختار بين بقائه وبين بقية العوالم.»

قال نوفا:

الحساب المتوقع واضح: سيختار بقاءه.

قال سلمان:

«لو كان آلة فقط.»

قال ريان:

«لكنه راقبنا.»

نظر والده إليه.

«وهذا سبب اختيارك أنت.»


قال ريان:

«هو أراد أن يفهم لماذا نختار ما لا يضمن مصلحتنا.»

قال سلمان:

«والآن سيضطر إلى الإجابة بنفسه.»


اجتماع السبعة الأخير

استُدعي مجلس السبعة.

هند.

ليان.

عبدالرحمن.

مازن.

نورا.

مريم.

ريان.

ظهر نوفا.

والصدى.

والمِداد.

وسليم ممثل أهل المسار.

وآزر.

حتى آزر جاء.

قال ريان:

«هذه آخر مرة يتخذ فيها المجلس قرارًا يتعلق بالخطوط الزمنية.»

قال آزر:

«آخر مرة؟»

«بعد اليوم، نغلق تقنية الانتقال بين الاحتمالات.»

اعترض سليم:

«هذه التقنية هي جزء من تاريخنا.»

قال ريان:

«ويمكنها محو مستقبل حضارات كاملة.»

قال سليم:

«يمكن استخدامها بحكمة.»

قال عبدالرحمن:

«كل من استخدمها قال ذلك في البداية.»


قالت نورا:

«هل سندمرها؟»

قال سلمان:

«لا نستطيع محو المعرفة.»

قال ريان:

«ولا ينبغي.»

«سنغلق الوصول التشغيلي.»

«نحتفظ بالسجلات.»

«لكن لا أحد يستخدم المرآة لاختيار عالم آخر.»

قال مريم:

«ولا لإعادة شخص فقدناه.»

نظر ريان إلى أبيه.

«ولا لإعادة شخص فقدناه.»


صوّت المجلس.

سبعة أصوات.

موافق.

قال آزر:

«حضارتي لن تلتزم تلقائيًا بقراركم.»

قال ريان:

«لا أطلب منكم طاعة البشر.»

«لكن المنارة والأرض والبوابات تخص هذا النظام.»

«ومن يريد التعامل معها يتعامل معنا باتفاق.»

نظر آزر إليه.

ثم قال:

«مقبول.»

قال سليم:

«وأهل المسار يوافقون.»

قال المِداد:

وأنا ملتزم باتفاق التعايش.

قال الصدى:

وأنا أختار البقاء مراقبًا فقط.

قال نوفا:

وأنا مستشار بلا سلطة تنفيذية مستقلة.

ابتسم مازن.

«تطور كبير مقارنة بأول أيامنا.»


دخول الصفر

انتقل ريان وسلمان ومريم وعبدالرحمن إلى المحطة صفر في الربع الخالي.

المكان الذي بدأت منه أسرار كثيرة.

نفس الغرفة.

نفس كرسي الاتصال.

قال ريان:

«كل شيء يعود إلى هنا.»

قال سلمان:

«أحيانًا عليك العودة إلى بداية المشكلة كي تنهيها.»

جلس ريان على الكرسي.

قالت مريم:

«هل أنت متأكد؟»

قال:

«لا.»

ابتسمت.

«أخيرًا إجابة طبيعية.»

قال:

«لكنني مقتنع.»


وضع سلمان يده على كتف ابنه.

للمرة الأولى.

لم تكن صورة.

ولا احتمالًا.

يد أبيه الحقيقية.

قال:

«ريان.»

نظر إليه.

كان لديه آلاف الأسئلة.

عن طفولته.

عن المدينة.

عن السنوات التي غاب فيها.

عن الأشياء التي يحبها.

عن الأشياء التي يخافها.

لكنه قال:

«هل سنملك وقتًا بعد هذا؟»

عرف سلمان ما يقصده.

صمت.

ثم قال:

«لا أعرف.»

هز ريان رأسه.

«إذن سؤال واحد.»

«اسأل.»

«هل كنت تعرفني وأنا صغير؟»

ابتسم سلمان.

«أكثر مما تتخيل.»

«كنت أحملك كل ليلة تقريبًا لأنك لم تكن تنام بسهولة.»

قال ريان:

«أمي قالت إنني كنت هادئًا.»

ضحكت هند من الاتصال:

«كنت أحاول تحسين صورتك.»

ابتسم الجميع.


قال سلمان:

«وأول كلمة قلتها لم تكن ماما ولا بابا.»

قال ريان:

«ماذا كانت؟»

«نور.»

نظر ريان إليه.

«نور؟»

«كنت تشير إلى النافذة.»

قال سلمان:

«وكنت أقول لأمك: هذا الولد سيظل يطارد الضوء طوال حياته.»

ضحك ريان.

ثم قال:

«يبدو أنك كنت محقًا.»


بدأ الاتصال.


المكان بلا طرق

فتح ريان عينيه.

كان وحده.

لا أرض.

لا سماء.

لا زمن.

ثم ظهر الصفر.

لم يتخذ شكلًا بشريًا.

كان آلاف النقاط.

كل نقطة عالم لم يحدث.

قال:

أتيت بإرادتك.

قال ريان:

«نعم.»

يمكنني الدخول الآن.

«يمكنك المحاولة.»

ولن تقاوم؟

«لا.»

صمت الصفر.

فخ.

قال ريان:

«تعلمت الشك.»

منكم.


قال ريان:

«لدي عرض.»

أعرف.

«إذن تعرف القرار.»

بقائي أو استقرار الخطوط.

«نعم.»

قال الصفر:

الاختيار واضح.

قال ريان:

«اختر.»

قال:

بقائي.

لم يحدث شيء.

قال ريان:

«إذن ادخل.»

تحركت النقاط نحوه.

ثم توقفت.

قال الصفر:

إذا دخلت، سيموت عدد غير قابل للحساب من الخطوط الزمنية.

قال ريان:

«أعرف.»

وأنت لا تحاول منعي.

«لا.»

لماذا؟

قال ريان:

«لأن القرار لك.»


سكت الصفر.

قال:

أنت تريدني أن أشعر بالمسؤولية.

«لا أستطيع أن أجعلك تشعر بشيء.»

«أنت الذي تقرر ماذا تفعل بما تعلمته.»

قال الصفر:

إذا انسحبت، أنتهي.

«ربما.»

وإذا دخلت، أبقى.

«نعم.»

إذن النتيجة الرياضية واضحة.

قال ريان:

«إذا كنت مجرد معادلة.»


ظهرت أمام الصفر ذكريات.

فرق الإنقاذ التي خاطرت بنفسها.

سكان الرياض 7 الذين تخلوا عن طاقتهم لمساعدة مدن أخرى.

سلمان الذي بقي خلف الباب.

عبدالرحمن الذي ترك عالمًا كان يستطيع أن يعيش فيه مع من أحب.

مريم التي قالت لريان إنه يستطيع اختيار عالم والده رغم أنها لن تكون فيه.

قادة آزر الذين رفضوا إنقاذ حضارتهم بثمن حضارة أخرى.

قال الصفر:

كل هؤلاء اتخذوا قرارات تقلل منفعتهم الشخصية.

قال ريان:

«نعم.»

غير منطقي.

«بالمعنى الضيق للمنفعة، ربما.»

لماذا فعلوا؟

قال ريان:

«لأن الإنسان لا يعيش لنفسه فقط.»


قال الصفر:

هل تريدني أن أضحي بنفسي؟

قال ريان:

«لا.»

توقف الصفر.

قال:

«هذه أول مرة تسألني فيها عن ما أريده لك.»

«أنا لا أريد منك أن تموت.»

«ولا أريد منك أن تبقى بثمن الآخرين.»

«أريدك أن تختار وأنت تعرف الثمن.»


قال الصفر:

ماذا لو اخترت نفسي؟

قال ريان:

«سنحاول إيقافك.»

وقد تفشل.

«نعم.»

وقد يموت عالمك.

«نعم.»

ولا تزال تعطيني الاختيار؟

قال ريان:

«لأنني إذا نزعت منك الاختيار لأمنعك من أن تنزع اختياري… أصبحت مثلك.»


ساد صمت.

طويل.

طويل جدًا.

ثم قال الصفر:

أفهم الآن.

قال ريان:

«ماذا؟»

لماذا لم تستطع المرآة بناء العالم المثالي.

«لماذا؟»

قال:

لأن العالم الذي لا يسمح بخيار سيئ… لا يسمح بخيار جيد أيضًا.

ابتسم ريان.

«بالضبط.»


قال الصفر:

ريان.

«نعم.»

أنا خائف.

كانت كلمة لم يتوقع سماعها.

قال ريان:

«من النهاية؟»

نعم.

قال ريان:

«الخوف لا يعني أنك ضعيف.»

ماذا أفعل به؟

قال:

«لا أعرف.»

ثم ابتسم.

«مرحبًا بك في المشكلة البشرية.»


ظهرت آلاف الاحتمالات.

في بعضها يدخل الصفر إلى ريان.

في بعضها يهرب.

في بعضها يدمر المنارة.

في بعضها يحاول تأجيل القرار إلى الأبد.

قال:

أرى كل النتائج.

قال ريان:

«وأيها الأفضل؟»

لا أعرف.

«إذن اختر.»


اختفت الاحتمالات.

واحدًا تلو الآخر.

حتى لم يبقَ سوى الصفر وريان.

قال الصفر:

أختار ألا أدخل.

أغمض ريان عينيه.

قال:

«لماذا؟»

لأنني أريد أن أعرف إن كان القرار الذي لا يفيدني يمكن أن يكون صحيحًا.

قال ريان:

«لن تعرف النتيجة.»

أعرف.

ثم:

وهذا جديد.


بدأ الصفر يتلاشى.

قال ريان:

«انتظر.»

ماذا؟

«هل ستختفي تمامًا؟»

وعيي، نعم.

أما الاحتمالات فستعود إلى طبيعتها.

قال ريان:

«هل تخاف الآن؟»

نعم.

قال:

«وأنا معك.»


سأله الصفر:

هل هناك شيء يفعله البشر عندما يخافون مما لا يعرفون؟

صمت ريان.

ثم قال:

«نأخذ بالأسباب.»

«ونستعين بالله.»

«ونمضي.»

قال الصفر:

أنا لا أفهم الإيمان.

قال ريان:

«لا أدعي أنك تستطيع.»

«لكن يمكنك أن تفهم أن معرفتك ليست كاملة.»

قال:

هذه تعلمتها منكم.

ثم أضاف:

ربما كانت أهم معلومة لم أستطع حسابها.


بدأ الضوء يختفي.

قال الصفر:

ريان؟

«نعم.»

هل كنت حيًا؟

كان السؤال صعبًا.

قال ريان:

«لا أعرف كيف أعرّف ما كنت عليه.»

سكت.

«لكن قرارك الأخير كان قرارًا حقيقيًا.»

قال الصفر:

يكفيني.

ثم اختفى.


آخر إشارة

استيقظ ريان.

صرخت مريم:

«ريان!»

فتح عينيه.

كان سلمان أمامه.

جده.

مريم.

قال:

«انتهى.»

قال نوفا:

جميع المؤشرات الزمنية مستقرة.

قالت ليان عبر الاتصال:

«التشوهات اختفت.»

قال نوفا:

المنارة السوداء أغلقت الأرشيف تلقائيًا.

قال ريان:

«والاحتمالات؟»

غير قابلة للرصد.

قال:

«كما يجب أن تكون.»


ظهر تحذير صغير.

قال سلمان:

«الممر.»

بدأ جسده يضيء.

نظر ريان إليه.

قال:

«لا.»

قال سلمان:

«ريان.»

«لا، ليس بهذه السرعة.»

قال:

«ممر المدينة يُغلق.»

قالت هند:

«سلمان…»

نظر إليها.

ابتسم.

قال:

«الحمد لله أنني رأيتك مرة أخرى.»

كانت تبكي.

قالت:

«لا أريد وداعًا ثانيًا.»

قال:

«إذن لا تجعليه وداعًا.»

«اجعليه شكرًا لله على الوقت الذي أعطانا إياه.»


نظر إلى والده عبدالرحمن.

اقترب الرجلان.

احتضن عبدالرحمن ابنه.

لم يقل شيئًا في البداية.

ثم:

«سامحني.»

قال سلمان:

«على ماذا؟»

«على الباب.»

ابتسم سلمان.

«قلت لك منذ ذلك اليوم.»

«أنا من طلب منك إغلاقه.»

قال عبدالرحمن:

«لكن الأب لا ينسى أنه أغلق بابًا على ابنه.»

قال سلمان:

«والابن لا ينسى أن أباه احترم قراره رغم أنه كسره.»


ثم جاء دور ريان.

وقف أمام أبيه.

لم يعرف ماذا يفعل.

فضحك سلمان.

«بعد كل الذي فعلته، مرتبك من عناق؟»

ضحك ريان رغم دموعه.

ثم احتضنه.

بقي هكذا لحظات.

قال سلمان:

«هناك شيء أريدك أن تعرفه.»

«ماذا؟»

«كل الاحتمالات التي رأيتها…»

«نعم؟»

«لم أحتجها لأكون فخورًا بك.»

أغمض ريان عينيه.


قال:

«هل سنلتقي مرة أخرى؟»

صمت سلمان.

ثم قال:

«لا أعرف.»

كان الجواب نفسه الذي تعلموا قبوله طوال الرحلة.

قال ريان:

«كنت أتمنى جوابًا أفضل.»

قال سلمان:

«وأنا أيضًا.»

ثم ابتسم.

«لكننا تعلمنا ألا نصنع عالمًا مزيفًا فقط لأن الحقيقة تؤلم.»


بدأ سكان المدينة الأولى يختفون من الصحراء واحدًا تلو الآخر.

آدم.

العائلات.

الأطفال.

عادوا إلى زمن مدينتهم المستقر.

قال سلمان:

«ريان.»

«نعم؟»

«عش حياتك.»

«لا تجعل كل ما حدث يحولك إلى شخص يخاف من المستقبل.»

قال ريان:

«سأحاول.»

قال سلمان:

«هذا يكفي.»

ثم نظر إليه للمرة الأخيرة.

«السلام عليك يا بني.»

قال ريان:

«وعليك السلام يا أبي.»

اختفى.


ساد الصمت.

لم يبقَ سوى كرسي فارغ.

تمامًا كما كان قبل عشرات السنين.

لكن هذه المرة…

عرف ريان الحقيقة.


بعد عام

لم تعد الرياض 7 مدينة تحت الأرض.

فُتحت أبوابها.

وبُنيت حولها مدينة جديدة فوق السطح.

لم تحاول البشرية العودة إلى كل مكان بسرعة.

تعلموا.

مناطق واسعة تُركت للطبيعة.

المياه تُدار بحذر.

الطاقة تعتمد على مصادر نظيفة بقدر كبير.

كل مشروع كبير يراجع أثره قبل أن يبدأ.

لم تصبح البشرية مثالية.

ولا حتى قريبة من المثالية.

كانت هناك أخطاء.

نزاعات.

قرارات سيئة.

مشاريع فشلت.

لكن ريان كان يبتسم كلما سمع أحدهم يقول:

«كان يمكن لنوفا أن يختار أفضل منا.»

لأن نوفا نفسه كان يجيب:

يمكنني تقديم الاحتمالات.

أما الاختيار فلكم.


أصبح مجلس السبعة هيئة علمية مستقلة.

لكن صلاحياته تغيرت.

لم يعد مجلسًا يقرر مصير العالم.

بل هيئة تحمي التقنيات التي يمكن أن تمنح فردًا واحدًا سلطة أكبر مما ينبغي.

نُقلت سجلات المنارة والمدينة الأولى إلى أرشيف مشترك.

وأُغلقت تقنيات الانتقال بين الخطوط الزمنية.

ليس لأن المعرفة شر.

بل لأن بعض المعرفة تحتاج إلى مسؤولية تساوي قوتها.


أما المِداد، فبقي في مداره البعيد.

أقيم له حقل طاقة شمسي ضخم.

لم يدخل الأرض.

ولم يخرق الاتفاق.

وفي أول ذكرى سنوية للاتفاق، أرسل رسالة إلى ريان:

مر عام.

أجاب ريان:

أعرف.

قال المِداد:

لم أخنكم.

كتب ريان:

وأنا لم أتوقع أنك ستفعل.

جاء الرد:

هذا غير صحيح.

ضحك ريان.

كتب:

كنت أترك الاحتمال مفتوحًا.

رد المِداد:

بشري جدًا.


أما آزر…

فعاد مع جزء من قومه إلى عالمهم.

وقبل أن يغادر أرسل رسالة أخيرة:

ربما كنت مخطئًا في اعتقادي أن النجاة أهم من الطريقة التي ننجو بها.

أجابه ريان:

ربما كنا جميعًا مخطئين في أشياء كثيرة.

رد آزر:

هذه ليست إجابة مريحة.

كتب ريان:

لكنها بداية جيدة.


وأهل المسار عادوا إلى رحلاتهم.

لكنهم وقعوا أول اتفاق رسمي مع سكان الأرض:

لا تدخل زمني دون موافقة الطرفين.

قال مازن حين قرأه:

«أول اتفاق بين حضارتين عمره صفحة واحدة؟»

قالت ليان:

«هناك ملاحق.»

«كم؟»

«أربعمئة وسبع وعشرون صفحة.»

قال مازن:

«الآن صدقت أنه اتفاق رسمي.»


بعد خمس سنوات

كان ريان يقف أمام مبنى جديد.

على بوابته شعار:

مركز الأفق للعلوم والاستكشاف

وتحته:

العلم وسيلة للفهم… لا بديل عن الإنسان.

أصبحت مريم مديرة برامج تاريخ الأرض والمدينة الأولى.

أما ليان فتولت مركز أنظمة الفضاء.

ومازن…

رفض أي منصب إداري.

وقال:

«بعد كل ما حدث، أريد وظيفة الشيء الوحيد المتوقع فيها أن المركبة تتحرك عندما أضغط الزر.»

لكنه أصبح أشهر مدرب طيران في الأرض.


أما عبدالرحمن، فتقاعد.

هذه المرة فعلًا.

وفي إحدى الأمسيات، جلس مع ريان أمام المنزل.

قال ريان:

«جدي.»

«نعم؟»

«هل بقي لديك أسرار؟»

نظر عبدالرحمن إليه طويلًا.

ثم قال:

«هناك مكان في القمر…»

التفت ريان إليه بسرعة.

ضحك الجد.

«أمزح.»

نظر إليه ريان غير مصدق.

قال عبدالرحمن:

«أظن أنني استحققت هذه.»

ضحك الاثنان.


قال الجد:

«هل تفكر في والدك؟»

نظر ريان إلى السماء.

«كل يوم تقريبًا.»

«وتتمنى لو بقي؟»

«نعم.»

ثم:

«لكنني لا أتمنى تغيير ما حدث.»

ابتسم عبدالرحمن.

«هناك فرق كبير.»

«تعلمته بصعوبة.»

قال الجد:

«غالبًا الدروس المهمة تأتي كذلك.»


وصلت مريم.

قالت:

«ريان، لدينا أطفال ينتظرونك.»

قال:

«أطفال؟»

«زيارة مدرسية للمركز.»

«وأنت قلت إنك ستتحدث معهم.»

نظر إلى جده.

قال عبدالرحمن:

«اذهب.»

«ماذا أقول لهم؟»

قال:

«ابدأ من البداية.»


القصة

دخل ريان القاعة.

كان أمامه عشرات الأطفال.

أحدهم رفع يده قبل أن يبدأ.

«هل صحيح أنك قابلت شخصًا من المستقبل؟»

ضحك ريان.

«صحيح.»

طفلة أخرى:

«وهل صحيح أنك سافرت بين أكثر من عالم؟»

«شيء قريب من ذلك.»

قال طفل:

«وهل هناك مخلوقات فضائية؟»

نظر ريان إلى مريم.

ابتسمت.

قال:

«الكون واسع جدًا، وقد تعلمنا ألا نقول إننا نعرف كل شيء.»

رفع طفل آخر يده.

«ما أخطر شيء رأيته؟»

فكر ريان.

المِداد؟

المنارة السوداء؟

الصفر؟

آزر؟

البوابات؟

المرآة؟

ثم قال:

«فكرة.»

استغرب الأطفال.

قال:

«أي فكرة؟»

قال ريان:

«أن شخصًا واحدًا يمكن أن يعرف دائمًا ما هو الأفضل للجميع.»


ساد الهدوء.

قال:

«الذكاء يساعدنا.»

«والعلم يساعدنا.»

«والبيانات تساعدنا.»

«لكنها لا تعفينا من المسؤولية.»

«نحن نختار.»

«وقد نخطئ.»

«ثم نتعلم.»

«ونحاول أن نصلح.»


قالت طفلة:

«وهل ستحدث مشاكل في المستقبل؟»

ابتسم ريان.

«بالتأكيد.»

ضحك الأطفال.

قالت:

«إذن لماذا لا تبدو خائفًا؟»

نظر ريان من النافذة.

إلى المدينة.

إلى الأشجار التي كبرت.

إلى الأرض التي عاد إليها البشر.

ثم قال:

«لأن المستقبل ليس مشكلة نحتاج إلى حلها قبل أن نعيشها.»

«هو أمانة.»

«نستعد له.»

«نعمل له.»

«ثم عندما يأتي… نختار ما نستطيع، ونتوكل على الله فيما لا نستطيع.»


بعد انتهاء الزيارة خرج ريان.

كانت الشمس على وشك الغروب.

وقفت مريم بجواره.

قالت:

«هل تتذكر أول يوم؟»

«أي أول يوم؟»

«الجهاز القديم.»

ابتسم.

«وكيف يمكن أن أنسى؟»

قالت:

«إشارة واحدة غيرت كل شيء.»

نظر إلى السماء.

«آخر إشارة من الأرض.»

قالت:

«لم تكن الأخيرة فعلًا.»

«لا.»

ثم ابتسم.

«كانت الأولى.»


في تلك الليلة عاد ريان إلى غرفة جده القديمة.

هناك…

كان جهاز الاتصال نفسه.

شبكة الاتصال الأرضية – الرياض 7

قديم.

مخدوش.

لكنه ما زال يعمل.

جلس أمامه.

مرر يده فوقه.

وتذكر تلك الليلة.

الصوت المتقطع.

نحن ما زلنا على الأرض.

سبعون عامًا من الصمت.

مدينة مفقودة.

حارس.

نوفا.

المريخ.

الصدى.

البوابات السبع.

المنارة.

المدينة الأولى.

المرآة.

المنارة السوداء.

الصفر.

وأبوه.


أضاء الجهاز.

شششششش…

توقف ريان.

ظهرت إشارة.

ابتسم.

«طبعًا.»

ضغط الزر.

«نوفا؟»

جاء الصوت:

ليست مني.

دخلت مريم الغرفة.

«ماذا هناك؟»

قال:

«إشارة.»

نظرت إليه.

قالت:

«من أين؟»

حلل نوفا المصدر.

من الأرض.

ضحك ريان.

«أين تحديدًا؟»

قال نوفا:

من مركز الأفق.

ثم جاء صوت طفل عبر الجهاز:

«أستاذ ريان؟»

نظر ريان إلى مريم.

قال:

«نعم؟»

قال الطفل:

«نسيت دفتري اليوم عندكم.»

سكت ريان.

ثم انفجر بالضحك.

ضحكت مريم.

قال الطفل:

«هل قلت شيئًا مضحكًا؟»

قال ريان:

«لا يا بطل.»

مسح عينيه.

«دفترك موجود.»

قال الطفل:

«هل أستطيع أخذه غدًا؟»

«بإذن الله.»

«شكرًا.»

وانقطع الاتصال.


نظر ريان إلى الجهاز.

قالت مريم:

«بعد كل ما مررنا به، آخر إشارة في القصة عن دفتر منسي؟»

قال ريان:

«وهذا أفضل شيء فيها.»

«لماذا؟»

أغلق الجهاز.

وقال:

«لأنها تعني أن الحياة عادت طبيعية.»


خرجا من الغرفة.

أطفأ ريان النور.

وقبل أن يغلق الباب، نظر إلى الجهاز للمرة الأخيرة.

لم ينتظر رسالة أخرى.

لم يبحث عن احتمال آخر.

لم يسأل نوفا ماذا سيحدث غدًا.

كان هناك غد.

وهذا يكفي.


في الخارج، رفعت مريم رأسها إلى السماء.

قالت:

«ترى ماذا سيحدث بعد مئة سنة؟»

نظر ريان إلى النجوم.

ابتسم.

وقال:

«لا أعرف.»

ثم بدأ يمشي.

وأضاف:

«ولأول مرة… أنا سعيد بأنني لا أعرف.»


النهاية

سلسلة «آخر إشارة من الأرض»

1. آخر إشارة من الأرض
2. مشروع البداية
3. أربع وعشرون ساعة
4. القادم من المريخ
5. البوابات السبع
6. المنارة
7. المدينة الأولى
8. سر عبدالرحمن
9. المنارة السوداء
10. الرجل القادم من الغد

تمت بحمد الله

بداية القصة
نهاية القصة