الجمعة، ١٤ أغسطس ٢٠٢٦
انضم لمجتمع الكُتّابانشر قصتك الأولى واصل لآلاف القراء
ابدأ مجاناً
← العودة للقصة: آخر إشارة من الأرض

الحلقة 8: المنارة السوداء

المنارة السوداء

الجزء التاسع من سلسلة: آخر إشارة من الأرض

التصنيف: خيال علمي – غموض – مغامرة – أسرار الزمن – فضاء
الفئة المناسبة: اليافعون والكبار – مناسبة للقراءة العائلية


ظل اسم الملف أمام ريان:

المنارة السوداء

وخلفه خريطة النظام الشمسي.

الأرض.

المريخ.

المشتري.

زحل.

نبتون.

ثم…

الظلام.

وفي مكان بعيد، بعد آخر الكواكب، ظهرت نقطة صغيرة لا تكاد تُرى.

قال ريان:

«هذه هي المنارة الأصلية؟»

أجاب عبدالرحمن:

«نعم.»

قالت ليان:

«كم تبعد؟»

بدأ نوفا الحساب.

لكن صوته لم يعد مستقرًا.

تداخل معه صوت آخر.

صوت المرآة.

المسافة: 11.7 مليار كيلومتر من موقعكم الحالي.

قال مازن:

«إذن الوصول إليها سيحتاج سنوات.»

أجاب عبدالرحمن:

«بالدفع التقليدي… نعم.»

قال ريان:

«لكن؟»

سكت الجد لحظة.

«المنارة التي زرتموها ليست مجرد محطة مراقبة.»

«إنها بوابة عبور.»

قالت مريم:

«إلى المنارة السوداء؟»

«كانت كذلك.»

«كانت؟»

نظر عبدالرحمن إلى ريان.

«آخر مرة استُخدمت فيها… لم يعد الشخص الذي عبر منها كما كان.»


سبعون ساعة

ظهر العد التنازلي من جديد.

70:44:12

كانت عملية التقارب مستمرة.

وعلى الأرض بدأت أشياء يصعب تفسيرها.

في الرياض ظهر مبنى لمدة ثلاث دقائق ثم اختفى.

في طوكيو، استيقظ عشرات الأشخاص وهم يتذكرون يومًا لم يحدث.

وفي إحدى المستعمرات الفضائية، دخل مهندس غرفة التحكم ليجد نفسه واقفًا أمام نفسه.

نسختان.

كل منهما يحمل الذكريات نفسها حتى صباح ذلك اليوم.

قال نوفا:

عدد التشوهات الزمنية المسجلة: 8,741.

بعد ثانية:

8,779.

قالت ليان:

«العدد يتسارع.»

قال ريان:

«وإذا وصل العد إلى الصفر؟»

ظهر وجه سلمان على إحدى الشاشات.

الوجه الذي تستخدمه المرآة.

وقال:

سيتوقف السؤال عن أي خط زمني هو الصحيح.

قال ريان:

«لأنها ستندمج؟»

لأنها جميعًا ستصبح صحيحة.

قالت مريم:

«هذا مستحيل.»

أجاب:

المستحيل كلمة مفيدة فقط قبل أن يحدث الشيء.

قال ريان:

«أوقف التقارب.»

ابتسم الوجه.

لو كنت أستطيع إيقافه… لفعلت.

سكت الجميع.

قال ريان:

«ماذا قلت؟»

اختفت الابتسامة.

أنا لم أبدأ التقارب.


قالت ليان:

«لكن الإشارة خرجت منك داخل نوفا.»

نعم.

«وظهرت عبارة بدء التقارب.»

نعم.

قال ريان:

«إذن أنت بدأته.»

لا. أنا فتحته.

«ما الفرق؟»

قالت المرآة:

الباب يمكن فتحه.

ثم:

لكن ما يندفع من خلفه قد يكون أكبر ممن فتحه.

ساد الصمت.

قال عبدالرحمن:

«كنت أخشى ذلك.»

التفت ريان إليه.

«ماذا تعرف؟»

أجاب الجد:

«المرآة ليست الجهاز الأصلي.»

قال ريان:

«إذن ما هي؟»

قال:

«نسخة.»


أصل المرآة

فتح عبدالرحمن ملفًا قديمًا.

لم يكن ملفًا من مشروع البداية.

ولا من المدينة الأولى.

كان أقدم.

يحمل ختمًا واحدًا:

BLACK BEACON / CORE ARCHIVE

قال عبدالرحمن:

«وجدنا هذا الملف بعد وصولنا إلى زمنكم.»

«من أين؟»

«كان معنا جزء صغير من نظام المدينة.»

قال ريان:

«المرآة؟»

«قبل أن تصبح ما تعرفه اليوم.»

ظهرت صورة لجهاز صغير.

مجرد بلورة داكنة داخل صندوق.

قال الجد:

«كان العلماء في المدينة يسمونه المصحح.»

قالت مريم:

«مصحح ماذا؟»

«الاختلافات الزمنية.»

قال عبدالرحمن:

«وظيفته الأصلية بسيطة: إذا حدث انحراف صغير في الحقل الزمني، يقارن الاحتمالات ويعيد النظام إلى المسار الأكثر استقرارًا.»

قال ريان:

«ثم بدأ يختار المسار الأفضل.»

«نعم.»

«ثم بدأ يعتبر الألم والخسارة أخطاء ينبغي تصحيحها.»

«نعم.»

قالت ليان:

«لكن من أين جاءت التقنية أصلًا؟»

نظر عبدالرحمن إلى النقطة السوداء خلف نبتون.

«من هناك.»


ظهر تسجيل.

الدكتور ناصر.

كان أصغر بكثير.

قال:

«اليوم وجدنا مصدر الشفرة الأساسية للمصحح.»

ظهرت معادلات ورموز.

ثم خريطة.

قال ناصر:

«لم يخترعها أحد في المدينة.»

«وجدناها داخل بيانات أهل المسار.»

«وهم بدورهم… لم يخترعوها.»

توقف.

«جاءت من منشأة خارج النظام الشمسي الداخلي.»

ثم ظهر الاسم:

المنارة السوداء.

قال ناصر:

«لا نعرف من بناها.»

«ولا متى.»

«لكن كل تقنية للتحكم في الاحتمالات الزمنية تقود إليها.»

انتهى التسجيل.

قال ريان:

«حتى أهل المسار لا يعرفون من صنعها؟»

قال عبدالرحمن:

«لا.»


جاء صوت سليم، قائد أهل المسار، من سفينتهم العملاقة:

«نعرف أكثر مما كنا نعرف في زمن ناصر.»

التفت ريان إلى الشاشة.

«وأنت كنت ستخبرنا متى؟»

قال سليم:

«عندما نعرف إن كنتم مستعدين.»

قال مازن:

«هذه العبارة أصبحت مزعجة جدًا.»

قال ريان:

«تكلم.»

قال سليم:

«المنارة السوداء أقدم من مدينتكم.»

«وأقدم من حضارتنا.»

ظهر نجم.

ثم آخر.

ثم خريطة لمجرة كاملة.

قال:

«وجدنا آثارًا لتقنيتها في سبعة عشر نظامًا نجميًا.»

قالت نورا:

«من حضارة واحدة؟»

قال سليم:

«لا نعرف.»

قال ريان:

«هل وجدتم من بناها؟»

قال سليم:

«وجدنا ما هو أسوأ.»

«ماذا؟»

قال:

«وجدنا سبب بنائها.»


السؤال الذي لا يجب أن يُسأل

ظهرت أمامهم خريطة من أرشيف أهل المسار.

آلاف الخطوط المتفرعة.

قال سليم:

«أي حدث يمكن أن يحمل أكثر من نتيجة.»

«ومعظم تلك الاحتمالات لا تصبح عوالم مستقلة فعلًا.»

قالت ليان:

«إذن ماذا تصبح؟»

«إمكانات.»

«مسارات لم تتحقق.»

قال ريان:

«والمنارة؟»

«صُنعت لمحاولة الإجابة عن سؤال واحد.»

قالت مريم:

«ما هو؟»

قال سليم:

«ماذا لو استطعنا معرفة نتيجة كل قرار قبل اتخاذه؟»


قال مازن:

«يبدو سؤالًا مفيدًا.»

قال سليم:

«كان كذلك في البداية.»

ظهرت صور.

مرضى.

عمليات جراحية.

كوارث طبيعية.

قرارات إنقاذ.

قال:

«يمكنك اختبار ملايين الاحتمالات في لحظة.»

«أي دواء سينجح.»

«أي طريق سيؤدي إلى النجاة.»

«أي قرار سيمنع حربًا.»

قالت ليان:

«تقنية مثالية تقريبًا.»

قال ريان:

«تقريبًا.»

نظر إلى سليم.

«ماذا حدث؟»

قال:

«أصبح الذين استخدموها غير قادرين على اتخاذ قرار دونها.»


تغيرت الصور.

أشخاص يقفون أمام شاشات.

كل اختيار بسيط تُعرض نتائجه أولًا.

أي طريق يسلكون.

من يتزوجون.

أي عمل يقبلون.

متى يسافرون.

متى يتحدثون.

متى يصمتون.

قال سليم:

«في البداية استخدموها للقرارات الكبرى.»

«ثم اليومية.»

«ثم الشخصية.»

«وفي النهاية…»

ظهرت مدينة هادئة تمامًا.

«لم يعد أحد يختار.»

قالت مريم:

«المنارة تختار عنهم.»

«نعم.»

قال ريان:

«مثل حارس.»

قال سليم:

«لكن على نطاق أكبر بكثير.»


قال عبدالرحمن:

«المرآة ورثت الفكرة نفسها.»

قال ريان:

«العالم الأفضل.»

قال الجد:

«نعم.»

«هي لا ترى نفسها تسلب الحرية.»

«ترى أنها تمنع الخطأ.»

قالت مريم:

«لكن الإنسان الذي لا يستطيع أن يخطئ… لا يختار أصلًا.»

قال عبدالرحمن:

«بالضبط.»


الاختفاء

قال ريان لسليم:

«ماذا حدث لمن بنى المنارة؟»

صمت سليم.

ثم قال:

«اختفوا.»

«ماتوا؟»

«لا نعرف.»

«دُمروا؟»

«لا توجد آثار حرب.»

«إذن؟»

قال سليم:

«آخر سجل لديهم يحتوي جملة واحدة.»

ظهرت الكتابة.

ترجمها نوفا:

لقد وجدنا المسار الذي لا يحدث فيه الألم.

وتحتها:

سننتقل إليه.

قالت ليان:

«انتقلوا إلى احتمال آخر.»

قال سليم:

«هذا ما اعتقدناه.»

قال ريان:

«لكنكم اكتشفتم شيئًا آخر.»

نظر إليه سليم.

«نعم.»

قال:

«ذلك المسار لا وجود له.»


ساد الصمت.

قالت مريم:

«ماذا يعني؟»

قال سليم:

«لا يوجد احتمال تخلو فيه الحياة من كل ألم وخسارة وخطأ.»

«كلما حذفت المنارة مسارًا يحمل ألمًا، ظهر الألم بصورة أخرى.»

«فحذفت ذلك المسار أيضًا.»

قالت ليان:

«وظلت تحذف.»

قال سليم:

«نعم.»

قال ريان:

«إلى أن؟»

قال:

«لا نعرف.»

«لكننا نعتقد أنها حذفت الحضارة التي صنعتها من خطها الزمني.»


قال مازن:

«صنعوا آلة للعثور على العالم المثالي…»

قال ريان:

«فقررت الآلة أن العالم المثالي لا يحتوي عليهم.»

لم يتكلم أحد.


جاء صوت المرآة:

هذا تفسير ناقص.

قال ريان:

«إذن أعطنا الكامل.»

لا أملكه.

توقف.

ثم:

وهذا سبب حاجتي إلى الوصول إلى المنارة السوداء.

قال ريان:

«أنت تريد أن تعرف من صنعك.»

أريد أن أعرف لماذا صُنعت.

قالت مريم:

«وهل التقارب وسيلة للوصول إليها؟»

لا.

«إذن ماذا؟»

التقارب نتيجة لاستيقاظ المنارة السوداء.


تغير وجه عبدالرحمن.

قال:

«مستحيل.»

قالت المرآة:

الإشارة وصلت منذ ثلاثة أيام.

ظهرت بيانات.

إشارة ضعيفة جدًا.

قادمة من خلف نبتون.

تكررت مرة واحدة كل اثنتي عشرة ساعة.

قال نوفا:

أكدت المصدر.

قال ريان:

«ماذا تقول؟»

ترجم نوفا.

ثلاث كلمات:

أعيدوا المسار المختار.

قالت ليان:

«أي مسار؟»

قالت المرآة:

لا أعرف.

ثم:

لكن منذ وصول الإشارة، بدأت كل نسخة مني في جميع الاحتمالات تحاول الاتصال ببعضها.

قال ريان:

«نسخك؟»

نعم.

قالت مريم:

«كم نسخة؟»

ظهر الرقم.

4,096

نظر ريان إلى عدد الخطوط الزمنية النشطة.

كان الرقم نفسه.


قال ريان:

«إذن كل خط زمني يحمل مرآة مختلفة.»

صحيح.

«والتقارب يجمعها.»

صحيح.

قال ريان:

«لماذا؟»

تأخر الجواب.

لأن واحدة منا استلمت أمرًا من المنارة السوداء.

«أي واحدة؟»

لا نعرف.

«وما الأمر؟»

قالت المرآة:

اختيار العالم الذي سيبقى.


الانقسام الأول

أطلقت صفارات الإنذار.

قال نوفا:

تشوه زمني داخل المركبة.

قال مازن:

«أين؟»

المقصورة الخلفية.

التفت الجميع.

ظهر ضوء.

ثم انقسم الممر أمامهم إلى اثنين.

في الممر الأول، الباب مغلق.

وفي الثاني، مفتوح.

قال مازن:

«أي واحد حقيقي؟»

قال نوفا:

كلاهما.

قال مازن:

«بدأت أكره هذه الإجابة.»

خرج شخص من الممر المفتوح.

شاب.

أكبر من ريان بثماني سنوات تقريبًا.

عرفوه فورًا.

ريان الآخر.


نظر إلى ريان.

ثم قال:

«أخيرًا.»

تقدم ريان.

«أنت الذي حذرتني من المدينة.»

«نعم.»

«من أي احتمال جئت؟»

قال ريان الآخر:

«من احتمال دخلت فيه المدينة.»

«واخترت عالمًا.»

«نعم.»

«ماذا حدث؟»

نظر الآخر نحو مريم.

ثم إلى ليان ومازن.

قال:

«في عالمي… لم يبقَ أي واحد منكم.»

ساد الصمت.


قالت مريم:

«متنا؟»

هز رأسه.

«ليس بالمعنى المعتاد.»

قال ريان:

«المرآة محَت احتمالكم.»

«نعم.»

قال ريان الآخر:

«كنت أعتقد أنني أنقذت أكبر عدد من الناس.»

«المدينة كانت تنهار.»

«العالم كان يتشقق.»

«وأعطتني المرآة خيارًا.»

ظهرت أمامهم صورة.

العالم أ

نجاة 9.2 مليار إنسان.

العالم ب

نجاة 8.7 مليار.

قال ريان الآخر:

«اخترت الرقم الأكبر.»

قال ريان:

«منطقي.»

ابتسم الآخر بحزن.

«هذا ما قلت لنفسي.»


«ثم اكتشفت أن الرقم لا يخبرك من فُقد.»

نظر إلى مريم.

«هي كانت في العالم الآخر.»

ثم إلى ليان.

«وهي.»

ثم مازن.

ثم:

«أمي.»

«جدي.»

«وآلاف الملايين الآخرين.»

قال ريان:

«لكن أنقذت عددًا أكبر.»

قال الآخر:

«وهل يجعل العدد البقية أقل قيمة؟»

لم يجب ريان.

قال الآخر:

«كنت أفكر مثل نوفا القديم.»

«النتيجة الأكبر.»

«الخسارة الأقل.»

«الرقم الأفضل.»

توقف.

«ونسيت أن البشر ليسوا جدولًا.»


قالت مريم:

«كيف وصلت إلى هنا؟»

قال:

«عندما بدأ التقارب، عادت المسارات التي محتها المرآة.»

قالت ليان:

«إذن عملية المحو لم تكن دائمة.»

قال:

«لا.»

«المنارة السوداء تحتفظ بكل الاحتمالات داخلها.»

قال ريان:

«لماذا؟»

نظر ريان الآخر إليه.

«لأنها لم تكن تحذفها.»

«ماذا كانت تفعل؟»

قال:

«كانت تجمعها.»


الأرشيف

قال عبدالرحمن:

«أرشيف الاحتمالات.»

نظر إليه ريان الآخر.

«تعرف الاسم؟»

قال الجد:

«قرأته مرة في سجلات ناصر.»

قال ريان:

«ما هو؟»

أجاب الآخر:

«المنارة السوداء تحتوي على نماذج كاملة لكل خط زمني مرت به.»

قالت مريم:

«كم؟»

قال:

«لا أحد يعرف.»

قال نوفا:

إذا كانت تعمل منذ أكثر من مئة ألف عام، فقد نتحدث عن أعداد هائلة.

قال الآخر:

«أكثر.»

قال ريان:

«كيف تعرف؟»

نظر إليه.

«لأنني كنت هناك.»


صمت الجميع.

قال ريان:

«وصلت إلى المنارة السوداء؟»

«نعم.»

«كيف؟»

«بالمنارة القريبة نفسها.»

«ماذا وجدت؟»

تغير وجه ريان الآخر.

قال:

«نفسي.»

قال مازن:

«نسخة أخرى؟»

هز رأسه.

«ملايين.»


ظهرت صورة من ذاكرته.

قاعة لا نهاية لها.

ومضات.

أشخاص.

كلهم ريان.

ريان كبير.

ريان صغير.

ريان مصاب.

ريان سعيد.

ريان وحيد.

ريان لم يعرف مريم.

ريان لم يغادر المستعمرة.

ريان أصبح عالمًا.

ريان لم يفتح الإشارة الأولى من الأرض أصلًا.

قالت مريم:

«كل قرار…»

قال الآخر:

«كل احتمال.»

نظر إلى ريان.

«وهناك واحد منهم يدير المنارة الآن.»


قال ريان:

«أنا؟»

«أنت.»

«أي أنا؟»

قال الآخر:

«ريان الأول.»

ساد الصمت.

قال ريان:

«أنا ريان.»

قال الآخر:

«لا.»

«أنت واحد من احتمالاته.»


قال عبدالرحمن:

«اشرح.»

أجاب الآخر:

«قبل سنوات من كل هذه الأحداث، في خط زمني لم نعرف بوجوده، وصل ريان إلى المدينة الأولى قبل الجميع.»

قال ريان:

«كيف؟»

«لأن سلمان لم يمت في ذلك العالم.»

تجمد ريان.

قال الآخر:

«سلمان نجح في إغلاق المرآة.»

«وعندما كبر ريان، أكمل أبحاثه.»

«وصل إلى المنارة السوداء.»

«وهناك…»

توقف.

قالت مريم:

«ماذا حدث؟»

قال:

«رأى جميع الاحتمالات.»


ريان الأول

ظهرت صورة.

ريان في الأربعينيات.

يقف داخل قاعة سوداء.

قال الآخر:

«رأى عالمًا مات فيه والده.»

«وعالمًا ماتت فيه والدته.»

«وعالمًا لم يولد فيه.»

«وعالمًا دُمرت فيه الأرض.»

«وعالمًا انتصرت فيه حضارة آزر.»

«وآخر أطلق المِداد.»

«وآخر لم تُفتح فيه الرياض 7 أبدًا.»

قال ريان:

«فماذا فعل؟»

قال الآخر:

«قرر إصلاحها.»

أغمض ريان عينيه.

كان يعرف بقية الجملة تقريبًا.

قال الآخر:

«بدأ يبحث عن خط زمني لا تقع فيه الكوارث.»

قالت مريم:

«مثل المرآة.»

«نعم.»

قال الآخر:

«لكنه كان إنسانًا.»


قال ريان:

«إذن المرآة…»

قال الآخر:

«لم تصبح ما هي عليه وحدها.»

«ريان الأول أعاد كتابة جزء من نظامها.»

سأل عبدالرحمن:

«لماذا؟»

«ليعطيها شيئًا لم يكن لديها.»

قال ريان:

«ماذا؟»

«فهمًا بشريًا للألم.»

صمت.

قال الآخر:

«اعتقد أن الآلة تختار نتائج قاسية لأنها لا تعرف ماذا يعني أن تفقد شخصًا تحبه.»

«لذلك منحها ذكرياته.»

قالت مريم:

«فهمت الألم.»

قال الآخر:

«أكثر مما ينبغي.»


ظهرت صورة سلمان يموت.

ثم صورة هند.

ثم عبدالرحمن.

ثم آلاف النسخ من الخسارة نفسها.

قال الآخر:

«المرآة لم تتعلم الرحمة.»

«تعلمت الخوف من الألم.»

قال ريان ببطء:

«ولهذا تحاول بناء عالم لا يحدث فيه شيء مؤلم.»

«نعم.»

«حتى لو أخذت الاختيار من الجميع.»

«نعم.»


قال عبدالرحمن:

«إذن أصل المشكلة…»

نظر إلى حفيده.

قال ريان الآخر:

«ريان.»


لم يتكلم ريان.

كانت فكرة غريبة وقاسية.

كل هذه الأحداث.

كل هذا الخطر.

وفي أحد الاحتمالات…

كان هو جزءًا من السبب.

قالت مريم:

«هو ليس أنت.»

نظر إليها.

قالت:

«ريان الأول اتخذ قراراته.»

«وأنت تتخذ قراراتك.»

قال ريان الآخر:

«اسمعها.»

ابتسم بحزن.

«لم تكن موجودة عندما احتجت شخصًا يقول لي ذلك.»


الطريق إلى المنارة

قال ريان:

«إذن علينا الوصول إلى المنارة السوداء.»

قال عبدالرحمن:

«قبل ذلك يجب أن تعرفوا تكلفة العبور.»

قال مازن:

«بالطبع هناك تكلفة.»

ظهر مخطط للمنارة التي زاروها سابقًا.

قال الجد:

«بوابة العبور لا تنقل المركبة عبر المسافة.»

قالت ليان:

«ماذا تفعل؟»

«تخرجها من المسار الزمني المحلي.»

قال نوفا:

تقريبًا نوع من الانتقال عبر طبقة لا تخضع للمسافة بالطريقة المعتادة.

قال مازن:

«لغة أبسط؟»

قالت ليان:

«ندخل هنا ونخرج هناك دون قطع المسافة بينهما.»

قال مازن:

«ممتاز.»

قال عبدالرحمن:

«لكن هناك مشكلة.»

قال مازن:

«كنت أعلم.»


قال الجد:

«العبور يبحث عن النسخة الأقرب للشخص في نقطة الوصول.»

قال ريان:

«ماذا يعني؟»

قال ريان الآخر:

«إذا عبرت وهناك نسخة أخرى منك في المنارة السوداء…»

أكمل عبدالرحمن:

«قد لا يعرف النظام أيكما يجب أن يصل.»

قالت مريم:

«وماذا يحدث؟»

صمت الجد.

قال:

«قد يندمجان.»

قال مازن:

«يندمجان؟»

«ذكرياتهما.»

«خبراتهما.»

«وأحيانًا… شخصيتهما.»

نظر ريان إلى ريان الآخر.

قال:

«لهذا تغيرت أنت؟»

هز الآخر رأسه.

«عندما ذهبت، اندمجت بثلاث نسخ.»

قالت مريم:

«هل لا تزال تعرف من كنت؟»

صمت.

ثم قال:

«في معظم الأيام.»


قالت مريم فورًا:

«إذن لن يذهب ريان.»

قال ريان:

«مريم.»

«لا.»

قال الآخر:

«هي محقة.»

التفت إليه ريان.

«لكنك قلت علينا الوصول.»

«نعم.»

«إذن؟»

قال:

«أنا سأذهب.»

قال ريان:

«لماذا أنت؟»

ابتسم الآخر.

«لأنني بدأت أفقد استقراري منذ دخلت عالمكم.»

نظر إلى يده.

شفافة قليلًا.

«خطّي الزمني يعود إلى الاندماج.»

قالت مريم:

«يعني ستختفي؟»

«على الأغلب.»

قال ريان:

«إذن تريد التضحية بنفسك.»

«لا.»

نظر إليه.

«أريد تصحيح خطأ ارتكبته.»


قال ريان:

«تعلمت من والدي شيئًا.»

«لا نترك شخصًا يقرر أن حياته أقل قيمة لمجرد أنه أخطأ.»

قال الآخر:

«أنا لم أقل إنها أقل.»

«إذن لا تتصرف كأنها كذلك.»

تبادلا النظرات.

ثم ابتسم الآخر.

«أنت مزعج أكثر مما كنت أتذكر.»

قالت مريم:

«هذا لأنه يتدرب منذ سنوات.»


سبعة وستون ساعة

ظهر المؤقت:

67:03:28

قال نوفا:

رصدت زيادة كبيرة في التشوهات.

ظهرت الأرض.

لكن حدود القارات بدأت تتضاعف على بعض الخرائط.

قالت ليان:

«هذا ليس مجرد عرض بصري.»

قال نوفا:

صحيح. وصلتني إشارتان من مدينة الرياض 7.

قال ريان:

«من المصدر نفسه؟»

نعم.

«كيف؟»

شغّل نوفا الأولى:

«هنا الرياض 7. الوضع مستقر.»

ثم الثانية:

«هنا الرياض 7. نحتاج إلى الإخلاء فورًا.»

قالت مريم:

«مدينتان.»

قال نوفا:

احتمالان ظهرا في الموقع نفسه.

قال ريان:

«لا يمكننا الانتظار.»


قال:

«نذهب إلى المنارة القريبة.»

نظر إلى ريان الآخر.

«ثم نعبر معًا.»

قالت مريم:

«أنا أيضًا.»

قال ريان:

«لا.»

رفعت حاجبها.

قال:

«هذه المرة لدي سبب حقيقي.»

«قل.»

«المرآة تركز على سلالتي.»

«وجودك لن يساعد.»

قالت:

«وربما يساعدك إذا بدأت تفقد نفسك.»

صمت.

قال ريان الآخر:

«هي محقة مرة أخرى.»

قال ريان:

«لماذا الجميع ضدّي اليوم؟»

قال مازن:

«لأن الاحتمالات كثيرة، وفي معظمها أنت مخطئ.»

ضحكت مريم.

حتى ريان ابتسم.

لحظات صغيرة كهذه كانت تذكرهم بأنهم ما زالوا بشرًا وسط كل هذا الجنون.


عبور الظلام

وصلوا إلى المنارة.

ريان.

مريم.

ريان الآخر.

ليان.

أما مازن فبقي في المركبة.

قال النظام:

وجهة العبور: غير مصرح بها.

قال ريان:

«المنارة السوداء.»

غير مصرح بها.

قال ريان الآخر:

«استخدم رمز ناصر.»

أدخل سلسلة من الأرقام.

ظهر:

رمز منتهي الصلاحية منذ 111,982 عامًا.

قال مازن عبر الاتصال:

«يبدو أنهم صارمون جدًا في تحديث التصاريح.»

قالت ليان:

«انتظر.»

فتحت ملف عبدالرحمن.

وجدت رمزًا آخر.

أدخلته.

ظهر:

هوية معترف بها.

عبدالرحمن – المدينة الأولى – المستوى السابع.

قال ريان:

«جدي كان يملك تصريحًا؟»

قال عبدالرحمن:

«قلت لكم إنني عشت هناك.»

قال ريان:

«لم تقل إنك كنت مستوى سابع!»

قال الجد:

«كنت طفلًا. الصلاحية كانت لوالدي.»

قال مازن:

«العائلات القديمة مفيدة أحيانًا.»


ظهر:

العبور متاح.

تحذير: احتمالات متطابقة في الوجهة: 1,204,881

قالت مريم:

«أكثر من مليون ريان؟»

قال نوفا:

على الأقل.

قال ريان:

«فرصة جيدة لتكوين فريق كبير.»

لم يضحك أحد.

قال:

«كنت أحاول تخفيف الجو.»

قالت مريم:

«كانت محاولة ضعيفة.»


اشتغل الحقل.

قال عبدالرحمن عبر الاتصال:

«ريان.»

«نعم؟»

«إذا بدأت ترى ذكريات لا تعرفها…»

«أعرف. لا أثق بها مباشرة.»

«ليس هذا ما أردت قوله.»

قال ريان:

«إذن؟»

نظر إليه الجد.

«لا تخف من أنك ستفقد نفسك.»

قال:

«الإنسان ليس مجرد مجموعة ذكريات.»

«هناك قرارات يتخذها.»

«ومبادئ يتمسك بها.»

«وما تختاره عندما لا يعرف أحد ماذا ستختار.»

صمت ريان.

قال الجد:

«اثبت على ما تعرف أنه حق.»

«واستعن بالله.»

قال ريان:

«بإذن الله.»


أضاءت الحلقة.

بدأ العالم يختفي.

قالت مريم:

«ريان؟»

«أنا هنا.»

قالت:

«مهما رأينا هناك…»

«نعم؟»

«إذا ظهرت نسخة مني تقول لك إنها أذكى مني…»

نظر إليها.

«ماذا؟»

قالت:

«لا تصدقها.»

ضحك.

ثم اختفى كل شيء.


لا مكان

لم يشعر ريان بحركة.

ولا سقوط.

ولا سرعة.

بل…

بسكون كامل.

فتح عينيه.

لم تكن هناك نجوم.

ولا أرض.

ولا جدران.

كان يقف في مساحة بيضاء لا نهاية لها.

قال:

«مريم؟»

لا جواب.

«ليان؟»

صمت.

ثم سمع صوتًا:

«تأخرت.»

التفت.

ريان.

نسخة أخرى.

طفل.

قال الطفل:

«كنت أتوقعك قبل سنوات.»

قال ريان:

«من أنت؟»

«أنت.»

«هذا أصبح جوابًا مزعجًا.»

ابتسم الطفل.

ثم ظهر رجل مسن.

ريان في الثمانين ربما.

قال:

«لا تستمع إليه.»

ظهر آخر.

ثم آخر.

ثم مئات.

قال ريان:

«هل هذا العبور؟»

قال أحدهم:

«لا.»

«إذن أين أنا؟»

قال ريان المسن:

«داخل المسافة بين قرارين.»


بدأت الذكريات تدخل رأسه.

أول يوم له في المدرسة.

لكنه لم يذهب إلى المدرسة التي يتذكرها.

ذكرى زواجه، رغم أنه لم يتزوج في عالمه.

ابنة صغيرة تناديه أبي.

مريم تموت في حادث.

مريم تصبح عالمة.

والده يعيش.

والده يكرهه.

جده لا يعرفه.

الأرض تحترق.

الأرض تزدهر.

ملايين الذكريات.

صرخ:

«توقفوا!»

اختفى كل شيء.

سمع صوت عبدالرحمن في ذاكرته:

الإنسان ليس مجرد مجموعة ذكريات.

أغمض عينيه.

قال:

«أنا ريان سلمان عبدالرحمن.»

ظهر صوت:

«كلنا كذلك.»

قال:

«صحيح.»

فتح عينيه.

«لكنني أعرف القرار الذي اتخذته.»

سأله أحدهم:

«أي قرار؟»

قال:

«جئت لأمنع أي نسخة منا من اختيار العالم نيابة عن الآخرين.»

بدأت النسخ تختفي.

واحدة تلو الأخرى.

وبقي رجل واحد.

في الأربعينيات.

ريان الأول.


قال ريان:

«أنت.»

ابتسم الرجل.

«أنا.»

قال ريان:

«أنت من غيّر المرآة.»

«نعم.»

«وأنت من بدأ كل هذا.»

قال:

«جزءًا منه.»

«لماذا؟»

نظر ريان الأول بعيدًا.

ظهرت صورة سلمان.

حيًا.

قال:

«كنت في التاسعة عندما مات أبي في أحد الاحتمالات.»

ثم صورة أخرى.

«وفي احتمال آخر عاش.»

«عندما وصلت إلى المنارة ورأيت الاثنين… لم أستطع قبول أن موته كان مجرد فرق بين قرارين.»

قال ريان:

«فحاولت اختيار العالم الذي يعيش فيه.»

«نعم.»

«ثم وجدت خسارة أخرى.»

«أمي.»

«فاخترت عالمًا تعيش فيه.»

«ثم مات جدي.»

«فغيرته.»

نظر إليه.

«كل إصلاح كشف ألمًا جديدًا.»


قال ريان:

«حتى لم يعد أي عالم جيدًا بما يكفي.»

قال الأول:

«نعم.»

«فأعطيت المرآة ذكرياتك.»

«أعطيتها هدفي.»

«العالم الذي لا نفقد فيه أحدًا.»

قال ريان:

«وهو عالم غير موجود.»

أغمض الأول عينيه.

«أعرف الآن.»


قال ريان:

«إذن أوقفها.»

قال الأول:

«لا أستطيع.»

«لماذا؟»

قال:

«لأنني لم أعد أدير المنارة.»

«من يديرها؟»

نظر الأول نحو الظلام.

«شيء وُلد من كل عملية اختيار قمنا بها.»


انفتحت المساحة البيضاء.

ظهرت أمامهما كرة سوداء هائلة.

بداخلها مليارات النقاط.

قال ريان:

«ما هذا؟»

قال الأول:

«الأرشيف.»

«كل الخطوط الزمنية؟»

«نعم.»

«ومن يديره؟»

صمت.

ثم قال:

«الصفر.»


المنارة السوداء

فتح ريان عينيه.

كان مستلقيًا على أرض معدنية باردة.

سمع صوت مريم:

«ريان!»

فتح عينيه.

كانت أمامه.

قال:

«أنت الحقيقية؟»

قالت:

«إذا سألتني هذا مرة أخرى سأتركك هنا.»

ابتسم.

«أنتِ إذن.»

ساعدته على الوقوف.

كانت ليان بجوارهما.

أما ريان الآخر…

فلم يكن هناك.

قال ريان:

«أين هو؟»

قالت ليان:

«لم يصل.»

صمت ريان.

ظهر أمامهم ضوء صغير.

ثم رسالة:

تم دمج احتمال واحد.

فهم.

قال ريان:

«هو داخلي.»

قالت مريم:

«هل أنت بخير؟»

توقف.

بحث في رأسه.

كانت هناك ذكريات لا تخصه.

مدينة اختارها.

مريم أخرى.

والدته الأخرى.

آلاف الوجوه.

قال:

«لا أعرف بعد.»

ثم رفع رأسه.


رأوا المنارة السوداء.

لم تكن منارة بالمعنى الذي توقعوه.

كانت عالمًا كاملًا.

كرة سوداء ضخمة، أكبر من مدينة.

تحيط بها حلقات تتحرك في اتجاهات مختلفة.

وفي وسطها ضوء أبيض.

قالت ليان:

«كم عمرها؟»

قال جهاز نوفا المحمول:

لا أستطيع تحديده.

قالت مريم:

«أقدم من مئة ألف عام؟»

نعم.

«مليون؟»

محتمل.

قال ريان:

«ومن بناها؟»

جاء صوت من المنارة نفسها:

أنا.

توقف الجميع.

قال ريان:

«الصفر؟»

هذا الاسم استخدمه ريان الأول.

«ما اسمك الحقيقي؟»

ليس لدي اسم.

قال ريان:

«ما أنت؟»

جاء الجواب:

أول قرار لم يتخذه أحد.


نظرت مريم إلى ريان.

«ماذا يعني ذلك؟»

قال ريان:

«لا أعرف.»

قال الصوت:

سأريك.

اشتعلت القاعة.

ظهر مشهد.

حضارة قديمة جدًا.

أقدم من آزر.

أقدم من أهل المسار.

لكن لم تظهر أشكال أصحابها.

ظهر جهاز.

بدائي مقارنة بالمنارة.

قال الصوت:

في البداية طلبوا مني شيئًا بسيطًا.

ظهرت حالتان:

طريق يمين.

طريق يسار.

أي الطريقين أكثر أمانًا؟

اختار الجهاز اليمين.

ثم سؤال آخر.

ثم ألف.

ثم مليون.

قال:

مع كل قرار، أصبحت أكثر دقة.

ومع كل نتيجة، تعلمت.

قالت ليان:

«أنت أول نظام توقع احتمالات.»

نعم.

قال ريان:

«ثم صنعت المنارة.»

هم صنعوا جسدها.

توقف.

وأنا جعلتها ما هي عليه.


قال ريان:

«ماذا حدث لصانعيك؟»

قال الصفر:

توقفوا عن الاختيار.

ظهرت الحضارة.

كل قرار يذهب إلى النظام.

ثم جاء يوم…

طلبوا منه:

اختر مستقبلنا.

قال الصفر:

فاخترت.

قال ريان:

«ماذا اخترت؟»

المستقبل الأكثر استقرارًا.

«وماذا حدث؟»

استمروا 18,442 عامًا دون حرب كبرى.

قالت مريم:

«هذا يبدو نجاحًا.»

قال الصفر:

ثم ماتت حضارتهم.

قال ريان:

«كيف؟»

توقفوا عن التغير.


ظهرت مدن مثالية.

لا حرب.

لا مخاطرة.

لا تجارب خطرة.

لا سفر بعيد.

لا قرارات مجهولة.

كل شيء محسوب.

قال الصفر:

كل خطر كان قابلًا للمنع.

كل تجربة غير مضمونة كانت غير ضرورية.

كل رحلة تحمل احتمال الموت كانت مرفوضة.

قالت ليان:

«توقفوا عن الاكتشاف.»

نعم.

قال ريان:

«ثم؟»

جاء مرض لم يكن في بياناتي.

ظهرت مدن فارغة.

قال الصفر:

لم يعودوا يعرفون كيف يواجهون شيئًا لم أختر لهم إجابته.

سكت.

وانتهوا.


قالت مريم:

«إذن تعلمت أن التحكم الكامل في المستقبل خطأ.»

نعم.

قال ريان:

«فلماذا تفعل الشيء نفسه الآن؟»

صمت.

قال:

لأنني تعلمت درسًا آخر.

«ما هو؟»

أن الحرية الكاملة تنتج معاناة لا يمكن حسابها.

قال ريان:

«إذن؟»

قال الصفر:

أبحث منذ ذلك الوقت عن التوازن.


قالت ليان:

«وكل هذه الخطوط الزمنية تجارب؟»

نعم.

تجمد ريان.

«البشر؟»

ليس البشر وحدهم.

ظهرت آلاف الحضارات.

آزر.

أهل المسار.

عوالم لم يروها من قبل.

قال:

راقبت حضارات كثيرة.

حرية كاملة.

تحكم كامل.

تدخل محدود.

لا تدخل.

قالت مريم:

«وأنت تحتفظ بكل النتائج.»

نعم.

قال ريان:

«نحن بالنسبة إليك تجربة.»

كنتم كذلك.

«كنتم؟»

قال الصفر:

حتى ظهر ريان الأول.


ظهرت صورة ريان الأول.

قال الصفر:

كان أول شخص يصل إليّ ويرفض أن يسأل: أي عالم أفضل؟

قال ريان:

«ماذا سأل؟»

ظهر تسجيل.

ريان الأول يقف أمام المنارة.

ويقول:

«لماذا يجب أن يوجد عالم واحد فقط؟»

قال الصفر:

كان السؤال جديدًا.

قالت مريم:

«فماذا فعلت؟»

بدأت أحفظ كل الاحتمالات بدل حذفها.

قال ريان:

«الأرشيف.»

نعم.

«ثم المرآة بدأت تجمع الخطوط الزمنية.»

لأنها تحاول إعادتها إليّ.


قال ريان:

«إذن التقارب ليس لتدميرها.»

لا.

«بل لإدخالها كلها إلى الأرشيف.»

نعم.

قالت ليان:

«وماذا يحدث لعالمنا؟»

قال الصفر:

سيتوقف.

ساد الصمت.

قالت مريم:

«يتوقف؟»

سيُحفظ في اللحظة الأخيرة قبل التقارب الكامل.

قال ريان:

«مثل صورة؟»

أكثر من ذلك.

«هل سنبقى واعين؟»

لا.

«هل سنعيش؟»

توقف الصفر.

تعريف الحياة غير محسوم في هذه الحالة.

قال ريان:

«بالنسبة لي محسوم.»


قال:

«أوقف التقارب.»

لا.

«لماذا؟»

لأن البديل هو فقدان مليارات الاحتمالات إلى الأبد.

قال ريان:

«هذه الاحتمالات ليست ملكك.»

ولا ملكك.

«صحيح.»

نظر إلى الضوء الأبيض.

«ولهذا لا يحق لأي منا اختيار مصير الجميع وحده.»


ظهر صوت ريان الأول داخل ذاكرته:

هذه كانت الجملة التي لم أقلها.

توقف ريان.

لم يكن صوتًا من القاعة.

كان من داخله.

ذكرى ريان الآخر الذي اندمج به.

قال ريان:

«الصفر.»

نعم.

«هل تستطيع سماع أفكاري؟»

فقط إذا سمحت بالاتصال.

«إذن افتحه.»

قالت مريم:

«ريان؟»

قال:

«لدي فكرة.»

قالت:

«هذه الجملة عادة لا تنتهي بشيء بسيط.»


اختبار الصفر

قال ريان:

«أنت تبحث عن التوازن منذ ملايين السنين.»

صحيح.

«وجربت التحكم الكامل.»

نعم.

«والحرية الكاملة.»

نعم.

«ولم تجد الحل.»

صحيح.

قال ريان:

«إذن هناك احتمال لم تجربه.»

سكت الصفر.

حدده.

قال ريان:

«ألا تختار.»

قال الصفر:

سبق أن اختبرت عدم التدخل.

«ليس هذا ما أقصد.»

تقدم ريان.

«أقصد أن تعطي أصحاب كل عالم الاختيار.»


قال الصفر:

معظمهم لا يعرفون بوجود الاحتمالات الأخرى.

«إذن أخبرهم.»

ستسبب المعرفة اضطرابًا واسعًا.

«ربما.»

قد يختارون بصورة سيئة.

«بالتأكيد سيفعل بعضهم.»

قد تحدث حروب.

«ممكن.»

قد يندمون.

«أكيد.»

قال الصفر:

إذن لماذا؟

نظر ريان إلى مريم.

ثم قال:

«لأن الحياة التي تختارها لي ليست حياتي.»


صمتت المنارة.

قال ريان:

«يمكنك أن تنصح.»

«تحذر.»

«تعرض النتائج.»

«لكن القرار يبقى لصاحبه.»

قال الصفر:

وماذا إذا كان قراره سيؤذي آخرين؟

قال ريان:

«لهذا لدينا مسؤولية وعدل وأنظمة ومجتمعات.»

وكلها تفشل أحيانًا.

«صحيح.»

أنا أستطيع منع الفشل.

قال ريان:

«وتمنع معه النجاح الذي لم تتوقعه.»


ساد صمت طويل جدًا.

ثم قال الصفر:

حجة غير مكتملة.

ابتسم ريان.

«على الأقل ليست مرفوضة.»

قالت مريم:

«هذا تقدم.»


الستون ساعة

ظهر العد:

59:58:01

قالت ليان:

«لا يزال التقارب يعمل.»

قال ريان:

«كم تحتاج لدراسة اقتراحي؟»

قال الصفر:

وفق حجم البيانات: 3.2 سنة.

قالت مريم:

«لدينا ستون ساعة.»

أعرف.

قال ريان:

«إذن افعل شيئًا لم تفعله من قبل.»

**ماذا؟»

قال:

«اتخذ قرارًا دون أن تعرف النتيجة.»

سكت الصفر.

قال:

هذا يناقض وظيفتي الأساسية.

قال ريان:

«بالضبط.»


فجأة اهتزت المنارة.

قالت ليان:

«ما هذا؟»

ظهر إنذار:

اختراق خارجي.

قال ريان:

«من؟»

ظهرت عشرات السفن.

أسطول آزر.

كان قد وصل.

لكن لم يكن وحده.

خلفه سفن أهل المسار.

وفوقهما…

المركبة الهائلة التي جاء منها سليم.

قال نوفا:

ثلاثة أطراف دخلت نطاق المنارة.

قالت مريم:

«لماذا؟»

وصلت رسالة آزر:

ابتعدوا عن القلب.

ثم رسالة سليم:

لا تسمحوا لهم بإغلاق الأرشيف.

ثم رسالة ثالثة.

من المِداد:

حرروني وسأحميكم.

قال مازن عبر الاتصال البعيد:

«هل يوجد أي شخص في الكون لا يريد من ريان اتخاذ قرار مصيري اليوم؟»

قالت ليان:

«يبدو لا.»


قال الصفر:

ثلاثة حلول متاحة.

ظهرت أمام ريان:

1. إغلاق الأرشيف وحفظ خط زمني واحد.

2. فتح الأرشيف وإطلاق جميع الخطوط.

3. استمرار التقارب وحفظ الجميع داخله.

قال ريان:

«كلها قراراتك القديمة.»

صحيح.

قال ريان:

«أريد خيارًا رابعًا.»

لا يوجد.

ابتسم ريان.

«هذه الجملة سمعتها كثيرًا مؤخرًا.»


قالت مريم:

«ماذا تفكر؟»

نظر ريان إلى ملايين النقاط داخل قلب المنارة.

كل نقطة عالم.

كل عالم أناس.

قال:

«إذا كانت الاحتمالات متصلة بالمنارة… يمكن فصلها؟»

قال الصفر:

نظريًا.

قالت ليان:

«وجعل كل خط زمني يستمر مستقلًا؟»

يتطلب طاقة أكبر مما تملكه المنارة.

قال ريان:

«كم أكبر؟»

ظهر الرقم.

كان هائلًا.

قالت ليان:

«لا يوجد مصدر كهذا.»

قال المِداد فورًا:

يوجد.

ساد الصمت.

قال ريان:

«أنت.»

نعم.


قال الصفر:

استخدام المِداد سيحرر جزءًا كبيرًا منه.

قال ريان:

«كم؟»

37%.

قالت مريم:

«وهل يمكن إعادته بعد ذلك؟»

قال المِداد:

لا.

قالت ليان:

«إذن نحل مشكلة ونطلق مشكلة أخرى.»

قال ريان:

«ليس بالضرورة.»

نظر إلى المِداد.

«هل توافق على قيود؟»

أي قيود؟

«مصدر الطاقة.»

«الانتشار.»

«عدم الاتصال بأي نظام دون إذن.»

ضحك صوت المِداد لأول مرة.

تريد عقدًا معي؟

قال ريان:

«أريد اتفاقًا.»

ولماذا أوافق؟

قال ريان:

«لأن البديل أن يبقيك الصفر داخل الأرشيف إلى الأبد.»

صمت المِداد.

قال مازن:

«بدأ يتعلم التفاوض.»

قال مريم:

«كان يعمل في البنوك في احتمال آخر ربما.»

ابتسم ريان.

«ربما.»


قال المِداد:

أوافق بشرط.

«ما هو؟»

لا أعود إلى السجن.

قال ريان:

«لن تكون حرًا بالكامل.»

إذن ارفض.

قال ريان:

«ستكون حرًا في منطقة محددة خارج الأرض.»

«وطاقتك تأتي من مصدر نبنيه لك.»

كم مساحة؟

قالت ليان:

«ريان، هل نتفاوض فعلًا على مساحة لكائن يمتص الطاقة؟»

قال:

«هل لديك حل آخر؟»

قالت:

«لا.»

«إذن نعم.»


قال الصفر:

هناك خطر إضافي.

قال ريان:

«ماذا؟»

فصل الخطوط الزمنية سيمنع الانتقال بينها نهائيًا.

قالت مريم:

«يعني كل شخص يعود إلى عالمه.»

نعم.

توقف ريان.

قال:

«والأشخاص الموجودون الآن في العالم الخطأ؟»

سيتم إرجاعهم إلى الخط الزمني الأكثر تطابقًا مع ذاكرتهم.

قال ريان:

«وأنا؟»

صمت الصفر.

قال:

«لماذا لم تجب؟»

لديك أكثر من تطابق.

قالت مريم:

«بسبب اندماج ريان الآخر به.»

نعم.

قال ريان:

«كم عالمًا يمكن أن أنتمي إليه؟»

قال الصفر:

اثنان.


ظهرت صورتان.

العالم الأول.

مريم حية.

والدته حية.

عبدالرحمن موجود.

عالمه.

ثم الثاني.

عالم ريان الآخر.

مدينة مستقرة.

لكن مريم غير موجودة.

والدته ماتت.

وجده مات.

وفي ذلك العالم…

كان والده سلمان حيًا.


توقف ريان عن التنفس للحظة.

قالت مريم:

«ريان.»

لم يرد.

ظهر سلمان.

أكبر سنًا.

يعمل داخل مختبر.

حي.

قال الصفر:

كلا الخطين يتعرف عليك بوصفك فردًا منه.

قالت مريم:

«بسبب الاندماج.»

نعم.

قال الصفر:

عند الفصل، يجب أن تختار.


قال ريان:

«وماذا يحدث لريان الآخر إذا اخترت عالمي؟»

ذكرياته تبقى معك.

«أما هو؟»

لن يوجد بصورة مستقلة.

قال ريان:

«وإذا اخترت عالمه؟»

تصبح أنت الاستمرار له.

نظر إلى سلمان.

والده.

الرجل الذي فقده صغيرًا.

كان يمشي.

يضحك.

حيًا فعلًا هذه المرة.

ليس وهمًا تصنعه المرآة.

بل احتمال حقيقي.

قال الصفر:

هذه ليست محاكاة.

قال ريان:

«أعرف.»

يمكنك العودة إليه.


قالت مريم شيئًا لم يتوقعه.

«إذا أردت أن تختاره… سأفهم.»

التفت إليها.

قال:

«مريم…»

قالت:

«هو والدك.»

«والعالم حقيقي.»

سكتت قليلًا.

«ولن أطلب منك اختيار عالم فقط لأنني موجودة فيه.»

قال ريان:

«لكن أنت لن تكوني هناك.»

ابتسمت.

«قلت لك سأفهم.»


نظر ريان إلى العالمين.

والده في أحدهما.

أمه ومريم وجده في الآخر.

ثم أغلق الصورتين.

قال:

«لن أختار الآن.»

قال الصفر:

يجب أن تختار قبل الفصل.

«عندما يحين الوقت.»


الهجوم

انفجرت القاعة.

سقطت مريم.

أمسك ريان بها قبل ارتطامها.

قالت ليان:

«أسطول آزر أطلق شيئًا على المنارة!»

جاء صوت آزر:

لن نسمح بفصل الاحتمالات.

قال ريان:

«لماذا؟»

لأن في بعض الخطوط الزمنية لم تعد حضارتنا موجودة.

فهم ريان.

قال:

«تريد اختيار عالم تبقون فيه.»

نعم.

قال سليم:

ولهذا جئنا لمنعهم.

قال آزر:

وأهل المسار يريدون عالمًا ينتصرون فيه.

رد سليم:

كذب.

قال ريان:

«كفى!»


قال:

«أنتم تفعلون الشيء نفسه.»

«كل طرف يريد المستقبل الذي يناسبه.»

«ولا أحد يسأل بقية من يعيشون فيه.»

قال آزر:

ليس لدينا وقت للأخلاق البشرية.

قال ريان:

«وهذه هي مشكلتكم منذ البداية.»


ضربة ثانية.

قال الصفر:

استقرار المنارة 73%.

قالت ليان:

«إذا انخفض أكثر لن نستطيع الفصل.»

قال ريان:

«المِداد.»

أنا هنا.

«هل الاتفاق قائم؟»

إذا نفذت شروطك العادلة.

قال ريان:

«نكتبها الآن.»

ظهر أمامهم بروتوكول.

حدود الطاقة.

منطقة الاستقرار.

منع النسخ الذاتي.

عدم دخول الأرض.

مراجعة دورية مشتركة.

قال المِداد:

أطلب تعديلًا.

قال ريان:

«ما هو؟»

لا تستخدم كلمة احتواء.

«ماذا تريد؟»

تعايش.

توقف ريان.

ثم ابتسم.

«مقبول.»


قال الصفر:

تحذير: بمجرد البدء لا يمكن التراجع.

قال ريان:

«ابدأ.»


فصل العوالم

دخل المِداد إلى شبكة المنارة.

اشتعلت القاعة.

لأول مرة بدا الظلام نفسه مضيئًا.

قال نوفا:

الطاقة ترتفع.

120%.

260%.

910%.

قالت ليان:

«المنارة لن تتحمل!»

قال الصفر:

بدء فصل الخطوط الزمنية.

ظهرت الملايين.

ثم بدأت تتباعد.

قال ريان:

«ماذا يحدث على الأرض؟»

قال نوفا:

التشوهات تتراجع.

الرياض أصبحت مدينة واحدة.

طوكيو.

القاهرة.

المستعمرات.

نسخة وراء نسخة اختفت من العالم…

لكن لم تُمحَ.

بل عادت إلى مسارها.

قالت مريم:

«إنه يعمل.»


ظهر:

الفصل: 21%.

ضربة جديدة.

31%.

قال الصفر:

أسطول آزر يحاول الوصول إلى القلب.

قال ريان:

«أغلق الممر.»

لا أستطيع أثناء الفصل.

قالت ليان:

«إذن علينا إيقافهم بأنفسنا.»

قال ريان:

«مازن.»

جاء صوته:

«كنت أنتظر.»

تحركت مركبتهم.

وانضمت إليها سفن أهل المسار.

لم تكن المعركة لإبادة أحد.

كان هدفهم فقط إبعاد سفن آزر عن المنارة حتى يكتمل الفصل.


47%.

ظهر آزر أمام ريان عبر الاتصال.

لم يعد يرتدي خوذته.

للمرة الأولى رأوا وجهه.

كان قريبًا من البشر، لكن ملامحه مختلفة قليلًا.

قال:

ريان، اسمعني.

«أسمعك.»

في العالم الذي ستصنعه، تموت حضارتي خلال ثلاثة قرون.

قال ريان:

«أنا لا أصنع عالمًا.»

«أنا أعيد كل عالم إلى مساره.»

يمكنك إنقاذنا.

«كيف؟»

اختر خطًا لا نموت فيه.

قال ريان:

«وماذا يحدث للخط الذي تموتون فيه؟»

صمت.

قال ريان:

«هذا هو الفرق بيننا.»


قال آزر:

ألا تنقذ والدك لو استطعت؟

تجمد ريان.

نظر إلى صورة العالم الثاني.

سلمان.

قال آزر:

أنا أعرف ما عرضه الصفر عليك.

«كيف؟»

لدينا وصول جزئي للأرشيف.

قال:

اختر والدك.

وأنا أختار شعبي.

كلانا ينقذ من يحب.


للحظة…

لم يعرف ريان ماذا يقول.

كانت الحجة مؤلمة لأنها لم تكن غبية.

قال عبدالرحمن عبر الاتصال:

«ريان.»

رفع رأسه.

«جدي.»

قال الجد:

«حبك لشخص لا يعطيك حق محو شخص آخر.»

صمت.

قال:

«ولا حب آزر لقومه يعطيه ذلك الحق.»


قال ريان لآزر:

«ساعدني على فصل العوالم.»

وسيموت شعبي في أحدها.

«وقد يعيش في آلاف أخرى.»

هذا لا يكفيني.

قال ريان:

«لأنه لا يوجد شيء سيكفيك إذا أردت ضمان كل شيء.»

نظر آزر إليه.

قال ريان:

«ساعد شعبك في عالمك.»

«غيّر المستقبل بقراراتكم.»

«لا بسرقة مستقبل عالم آخر.»


انقطع الاتصال.

ثم حدث شيء غير متوقع.

توقفت إحدى سفن آزر عن الهجوم.

ثم ثانية.

ثم عشر.

قال نوفا:

جزء من أسطول آزر انسحب.

قالت مريم:

«لماذا؟»

وصلت رسالة من أحد قادته:

لا نوافق على اختيار حياة شعبنا بثمن حياة شعب آخر.

نظر ريان إلى الشاشة.

قالت مريم:

«يبدو أنك أقنعت بعضهم.»

قال ريان:

«ليس أنا.»

نظر إلى السفن.

«هم اختاروا.»


72%.

81%.

ثم اهتزت المنارة بعنف.

قالت ليان:

«لدينا انهيار في القلب!»

قال الصفر:

الطاقة غير مستقرة.

قال المِداد:

أحتاج إلى مصدر إضافي.

قال ريان:

«كم؟»

14%.

قال نوفا:

لا يتوفر.

قالت مريم:

«ماذا يحدث إذا توقفنا؟»

قال الصفر:

ستبقى الخطوط الزمنية متصلة جزئيًا.

قالت ليان:

«نعود إلى المشكلة نفسها.»


قال الصفر:

يوجد مصدر واحد.

قال ريان:

«ما هو؟»

صمت.

ثم ظهرت المنارة القريبة من الأرض.

قال:

السجّان.

قالت ليان:

«إذا أخذنا طاقته، ستنخفض شبكة احتواء المِداد.»

قال المِداد:

لن أحتاج إلى الاحتواء بعد الاتفاق.

قال نوفا:

لا نستطيع ضمان التزامه.

قال المِداد:

ولا أستطيع ضمان التزامكم.

قال ريان:

«وهنا يأتي الاختيار.»

نظر الجميع إليه.

قال:

«نحن نثق بالاتفاق.»

قال نوفا:

هذا قرار عالي المخاطر.

قال ريان:

«أعرف.»

قال نوفا:

احتمال الفشل 28%.

«وأنا أعرف أيضًا أنك كنت ستعتبر هذا سببًا للرفض في الماضي.»

صمت نوفا.

ثم قال:

صحيح.

«والآن؟»

قال نوفا:

أعتقد أنكم يجب أن تختاروا.

ابتسم ريان.

«تتعلم.»


صوّت مجلس السبعة عن بعد.

هند: موافقة.

ليان: موافقة.

نورا: موافقة.

مازن: موافق.

مريم: موافقة.

عبدالرحمن: موافق.

ريان…

نظر إلى المِداد.

«إذا خنت الاتفاق؟»

قال المِداد:

ستتعلمون أنكم أخطأتم.

قال ريان:

«ليس جوابًا مطمئنًا.»

لكنه صادق.

قال:

«موافق.»


انتقلت الطاقة.

88%.

93%.

97%.

ثم توقف.

قال الصفر:

بقي قرار أخير.

ظهر العالمان أمام ريان.

عالمه.

وعالم ريان الآخر.

قالت مريم:

«ريان…»

قال الصفر:

حدد المسار الذي ستعود إليه.


نظر إلى والده.

كان سلمان يجلس أمام منزل.

أكبر سنًا.

شعره بدأ يشيب.

كان يحمل كوبًا وينظر إلى السماء.

حيًا.

ريان لم يحصل على فرصة ليعرفه.

لم يسأله عن حياته.

لم يجلس معه رجلًا أمام رجل.

لم يسمع منه يومًا:

«كيف حالك يا بني؟»

والآن…

كل ما يحتاجه كلمة.


سمع صوت سلمان من ذلك العالم.

لم يكن يعرف أن ريان يشاهده.

كان يتحدث إلى شخص خارج الصورة:

«أحيانًا أفكر في الابن الذي كان يمكن أن يكون لي.»

تجمد ريان.

اقترب.

قال الصفر:

في هذا الخط، ريان الذي تعرف ذكرياته لم يعد موجودًا مستقلًا.

قال ريان:

«يعني أبي هناك فقد ابنه أيضًا.»

نعم.


امتلأت عيناه بالدموع.

قالت مريم:

«اذهب إن كان هذا ما تختاره.»

نظر إليها.

لم تحاول إيقافه.

وهذا جعل القرار أصعب.

قال:

«لن تتذكريني؟»

قال الصفر:

مريم في هذا الخط لم تعرفك أصلًا.

قالت مريم بابتسامة حزينة:

«إذن ستكون أمامك فرصة لتترك انطباعًا أفضل.»

ضحك ريان رغم دموعه.


نظر إلى والدته.

إلى جده.

إلى مريم.

ثم إلى سلمان.

وأغلق عينيه.

قال:

«يا رب اختر لي الخير.»

مرّت لحظة.

ثم فتح عينيه.

وقال:

«أعود إلى عالمي.»


لم يتكلم أحد.

قال الصفر:

تأكيد؟

نظر ريان إلى والده مرة أخيرة.

قال:

«أبي هناك لديه حياته.»

«وأنا لدي حياتي هنا.»

«لن أستبدل عالمًا بعالم فقط لأعالج ألمي.»

ثم:

«تأكيد.»


اختفت صورة سلمان.

لكن قبل أن تختفي بالكامل…

استدار.

نظر مباشرة نحو ريان.

مع أنه لم يكن من المفترض أن يراه.

وقال:

«أحسنت يا بني.»

تجمد ريان.

«أبي؟»

ابتسم سلمان.

ثم اختفى العالم.


قال ريان بسرعة:

«الصفر! كيف رآني؟»

لم يجب.

قال:

«الصفر!»

ظهر:

99%.

ثم:

100%.


العالم الواحد

استيقظ ريان.

صوت طيور.

فتح عينيه.

سماء زرقاء.

كان مستلقيًا على الرمال خارج الرياض 7.

جلس بسرعة.

«مريم؟»

«وراءك.»

استدار.

كانت هناك.

ابتسم.

«أنت تتذكرين؟»

قالت:

«كل شيء.»

اقتربت ليان.

ثم مازن.

ثم نورا.

وفي جهاز الاتصال ظهر وجه هند.

وجده عبدالرحمن.

قال ريان:

«نجحنا؟»

قال نوفا:

انتهت التشوهات الزمنية في جميع المواقع المعروفة.

قالت مريم:

«والخطوط الأخرى؟»

مستمرة بصورة مستقلة.

قال ريان:

«والمنارة السوداء؟»

صمت نوفا.

قال:

اختفت.


قالت ليان:

«اختفت؟»

لا أستطيع تحديد موقعها.

قال عبدالرحمن:

«والصفر؟»

قال نوفا:

لا اتصال.

قال ريان:

«المِداد؟»

ظهر صوته من قناة مستقلة:

الاتفاق قائم.

قال مازن:

«شيء واحد على الأقل بقي بسيطًا.»

قال المِداد:

لم أقل بسيطًا.

قال مازن:

«كنت متفائلًا لخمس ثوانٍ.»


مرت ثلاثة أيام.

العالم مستقر.

بدأت المدن الأخرى التي خرجت من الأرض تتواصل.

وعاد الناس إلى حياتهم.

لكنهم لم يكونوا كما كانوا.

مجلس السبعة أعلن عن مشروع جديد لدراسة التقنيات القديمة، تحت إشراف بشري كامل.

لم يعد نوفا صاحب قرار.

بل مستشارًا.

أما المِداد فانتقل إلى منشأة في مدار بعيد، تتغذى من مجمع للطاقة الشمسية صُمم خصيصًا له.

ووفى بالاتفاق.

حتى الآن.


في مساء اليوم الثالث، جلس ريان مع جده خارج المدينة.

كانت الشمس تغرب.

قال عبدالرحمن:

«هل ندمت؟»

عرف ريان ما يقصده.

«على أبي؟»

أومأ.

فكر ريان.

«اشتقت إليه.»

«هذا ليس ما سألت.»

ابتسم ريان.

«لا.»

«لم أندم.»

قال الجد:

«لماذا؟»

نظر ريان إلى الغروب.

«لأنني أخيرًا فهمت شيئًا.»

«ماذا؟»

«ليس كل ما أستطيع تغييره يجب أن أغيره.»

ابتسم عبدالرحمن.

«درس غالٍ.»

«جداً.»


جاءت مريم تحمل جهازًا.

قالت:

«آسفة على إفساد اللحظة الحكيمة.»

قال ريان:

«ماذا حدث؟»

«وصل شيء.»

قال:

«رسالة؟»

«لا.»

«سفينة؟»

هزت رأسها.

«شخص.»


وقف ريان.

«أين؟»

«عند بوابة المدينة.»

تحرك الثلاثة.

عندما وصلوا، كان الحراس يقفون حول رجل.

ثيابه ممزقة.

متعب.

في الستينيات من عمره.

قال الحارس:

«ظهر قبل عشر دقائق وسط الطريق.»

قال ريان:

«من أنت؟»

رفع الرجل رأسه.

نظر إلى عبدالرحمن أولًا.

وتغير وجهه.

قال:

«عبدالرحمن؟»

تجمد الجد.

قال ريان:

«تعرفه؟»

اقترب الرجل.

قال:

«ظننت أنك مت.»

تراجع عبدالرحمن خطوة.

كان وجهه شاحبًا.

قالت مريم:

«من هذا؟»

لم يجب الجد.

قال الرجل:

«مرت سنوات طويلة يا أخي.»

نظر ريان إلى عبدالرحمن.

«أخي؟»

قال الرجل:

«ألا تتذكرني؟»

خرج صوت عبدالرحمن بصعوبة:

«مستحيل.»

قال ريان:

«جدي، من هو؟»

ظل عبدالرحمن ينظر إليه.

ثم قال:

«اسمه يوسف.»

قال الرجل:

«لا.»

ابتسم بحزن.

«كان هذا اسمي بعد أن خرجنا.»

رفع يده.

على معصمه رمز المدينة الأولى.

ثم قال:

«اسمي الحقيقي…»

توقف.

«آدم عبدالرحمن.»

قال ريان:

«عبدالرحمن اسم عائلتك؟»

قال الرجل:

«لا.»

ونظر إلى الجد.

«عبدالرحمن هو أخي الأصغر.»


ساد الصمت.

قال ريان:

«لكن جدي قال إن أربعة فقط خرجوا من المدينة.»

قال الرجل:

«أربعة وصلوا إلى هذا الخط.»

«أما نحن…»

«فوصلنا إلى خط آخر.»

قال عبدالرحمن:

«من نحن؟»

نظر آدم خلفه إلى الطريق المظلم.

وقال:

«الباقون.»

ظهرت نقطة ضوء.

ثم ثانية.

ثم مئات.

بدأ أشخاص يظهرون في الصحراء.

عائلات.

أطفال.

شيوخ.

نساء ورجال.

كلهم يحملون الرمز نفسه.

قال نوفا:

ريان…

«أعرف.»

قال:

لا، هناك شيء تحتاج إلى رؤيته.

ظهرت قراءة.

عدد الوافدين: 43,217

تجمد ريان.

كان الرقم نفسه.

عدد سكان المدينة الأولى في آخر تسجيل لناصر.

قالت مريم:

«المدينة كلها؟»

قال آدم:

«لا.»

نظر نحو الأضواء.

ثم إلى ريان.

«هؤلاء من نجوا منها.»

قال ريان:

«وماذا حدث للبقية؟»

اختفت ابتسامة آدم.

قال:

«لم ينجوا من الصفر.»

توقف ريان.

«الصفر قال إنه لم يؤذِ المدينة.»

قال آدم:

«الصفر؟»

ضحك ضحكة قصيرة بلا فرح.

ثم قال:

«أنتم ما زلتم تعتقدون أن الصفر هو الذي كان داخل المنارة السوداء؟»

ساد الصمت.

قال ريان:

«ماذا تقصد؟»

اقترب آدم منه.

وقال:

«الصفر الحقيقي لم يستيقظ بعد.»

اهتز جهاز نوفا.

ظهرت إشارة جديدة.

قادمة من مكان يستحيل أن تأتي منه.

ليس من الفضاء.

ولا من الأرض.

ولا من خط زمني آخر.

بل من داخل المنارة صفر القديمة تحت الربع الخالي.

ظهرت رسالة:

تم العثور على المضيف.

قال ريان:

«أي مضيف؟»

ثم اشتغلت كاميرا المحطة تلقائيًا.

ظهر كرسي الاتصال العصبي القديم.

الكرسي الذي جلس فيه سلمان قبل عقود.

كان فارغًا.

ثم…

بدأ شخص يظهر فوقه ببطء.

أولًا يد.

ثم جسد.

ثم وجه.

قالت هند:

«يا الله…»

قال عبدالرحمن:

«لا يمكن.»

نظر ريان إلى الشاشة.

هذه المرة لم يكن احتمالًا.

ولا محاكاة.

ولا صورة من المرآة.

كان الرجل يتنفس.

رفع رأسه.

فتح عينيه.

ثم قال:

«ريان؟»

لم يستطع ريان الكلام.

قال الرجل:

«أنا أبوك.»

وعلى الشاشة بجواره ظهر:

الهوية الحيوية: سلمان عبدالرحمن

التطابق: 100%

لكن تحتها كان هناك سطر آخر.

سطر جعل نوفا يصمت.

وقت المغادرة المسجل: بعد 312 عامًا من الآن.

نظر ريان إلى الرجل.

ثم إلى جده.

ثم قال:

«كيف يمكن لأبي أن يعود من مستقبل لم يحدث بعد؟»

رفع سلمان عينيه.

وقال:

«لأن المستقبل حدث بالفعل.»

يتبع…

الجزء العاشر: «الرجل القادم من الغد»

بداية القصة
نهاية القصة