المدينة الأولى
الجزء السابع من سلسلة: آخر إشارة من الأرض
التصنيف: خيال علمي – غموض – مغامرة – فضاء – أسرار الزمن
الفئة المناسبة: اليافعون والكبار – مناسبة للقراءة العائلية
ظلّت الصورة معلقة أمامهم.
أرض قديمة.
سماء صافية.
مدينة ضخمة لم يسجلها أي كتاب تاريخ.
وأناس يشبهون البشر تمامًا.
وفي منتصف الصورة، على صدر أحدهم، ظهرت الكلمات:
الأرض أمانة.
قالت مريم:
«هذا غير ممكن.»
أجاب نوفا:
وفق التسلسل التاريخي المعروف، نعم.
قال مازن:
«أنت قلت إن الصورة عمرها أكثر من مئة ألف عام.»
صحيح.
قالت ليان:
«والكتابة عربية.»
صحيح.
قال مازن:
«والبشر في الصورة يملكون تقنيات متقدمة.»
صحيح.
تنهد مازن.
«هل تستطيع قول شيء غير صحيح؟ هذا سيجعل الأمر أسهل قليلًا.»
لم يضحك أحد.
كان ريان ينظر إلى الصورة دون أن يرمش.
قال:
«كبّر الرجل.»
كبر نوفا الصورة.
ظهر الرجل بصورة أوضح.
كان في الأربعينيات تقريبًا.
شعره أسود.
وعلى معصمه جهاز معدني.
قال ريان:
«كبّر الجهاز.»
ظهرت ثلاثة أحرف محفورة عليه:
S-7
تغير وجه ليان.
قالت:
«ريان…»
«أعرف.»
قالت مريم:
«ماذا؟»
قال ريان:
«هذا الرمز مستخدم في المستعمرات الحديثة.»
قال نوفا:
وتحديدًا في مشروع تجريبي بدأ قبل ثمانية عشر عامًا فقط.
قالت نورا:
«أي مشروع؟»
أجاب نوفا:
مشروع السبعة.
مشروع السبعة
ظهرت ملفات على الشاشة.
شعار قديم.
سبع دوائر متداخلة.
قال الجد عبدالرحمن عبر الاتصال من الأرض:
«كنت أخشى أن نصل إلى هذا الاسم.»
نظر ريان إلى الشاشة.
«تعرفه؟»
«قليلًا.»
«لماذا لم تخبرني؟»
قال الجد:
«لأن المشروع أُلغي قبل أن تصبح جزءًا من برامج الفضاء.»
قالت ليان:
«ما هدفه؟»
أجاب عبدالرحمن:
«دراسة الانحناء الزمني الناتج عن بعض الحقول عالية الطاقة.»
قال مازن:
«انحناء زمني؟»
قال ريان:
«تقصد السفر عبر الزمن؟»
هز الجد رأسه.
«ليس كما في القصص.»
«لم يكن أحد يحاول إرسال إنسان إلى الماضي.»
قالت مريم:
«إذن ماذا كانوا يفعلون؟»
«كانوا يحاولون إرسال معلومات.»
«إلى أين؟»
صمت الجد.
ثم قال:
«إلى المستقبل.»
قال ريان:
«كيف؟»
بدأ عبدالرحمن يشرح.
«اكتشف العلماء أن بعض الحقول الموجودة قرب منشآت البوابات تؤثر في مرور الزمن بمقادير صغيرة جدًا.»
«ميكروثوانٍ.»
«ثم أجزاء من الثانية.»
«ومع زيادة الطاقة… أصبحت الفروق أكبر.»
قالت ليان:
«لكن المشروع حديث.»
«نعم.»
قال ريان:
«وهذه الصورة عمرها مئة واثنا عشر ألف سنة.»
قال الجد:
«ولهذا نحن أمام شيء لم يفهمه أصحاب المشروع.»
قال نوفا:
وجدت بيانات محذوفة.
قال ريان:
«اعرضها.»
ظهر عنوان:
S-7 / التجربة 41
وتحته:
النتيجة: فشل كارثي.
قالت مريم:
«متى؟»
قبل سبعة عشر عامًا.
قال ريان:
«ماذا حدث؟»
ظهر التسجيل.
مختبر.
حلقة ضخمة.
داخلها مركبة صغيرة.
سبعة أشخاص.
قال نوفا:
كان الهدف إرسال المركبة إلى نقطة زمنية مستقبلية بفارق 0.04 ثانية.
قال مازن:
«أربعة أجزاء من مئة فقط؟»
نعم.
بدأ التسجيل.
اشتغل الحقل.
اختفت المركبة.
ثم…
لم تعد.
قال ريان:
«أين ذهبت؟»
أجاب نوفا:
صُنفت التجربة كفقدان كامل.
قالت ليان ببطء:
«ربما لم تذهب إلى المستقبل.»
نظر إليها ريان.
قالت:
«ربما ذهبت إلى الماضي.»
سبعة أشخاص
فتح نوفا قائمة الطاقم.
سبعة أسماء.
ستة غير مألوفة.
أما السابع…
فجعل ريان يصمت.
الدكتور ناصر السلمان.
قال ريان:
«السلمان؟»
قال الجد عبدالرحمن:
«كان شقيق والدتك.»
تجمد ريان.
«خالي؟»
قالت هند، والدة ريان، عبر الاتصال:
«نعم.»
كان صوتها مختلفًا.
أهدأ.
وأثقل.
قال ريان:
«قلتِ إنه مات في حادث.»
قالت:
«هكذا قيل لنا.»
«كنتِ تعرفين عن المشروع؟»
«كنت أعرف أنه يعمل في أبحاث سرية.»
«ولم تعرفي ماذا حدث؟»
«لا.»
توقفت.
«بعد التجربة أخبرونا أن المختبر تعرض لانفجار، وأنه لم ينجُ.»
نظر ريان إلى الصورة القديمة.
قال:
«ربما نجا.»
كبر نوفا الرجل الذي يحمل الشعار.
قارن ملامحه بصورة ناصر.
ظهرت النتيجة:
تطابق محتمل: 97.8%.
قالت هند:
«يا الله…»
قال ريان:
«إنه هو.»
قالت مريم:
«إذا كانت المركبة عادت مئة ألف عام إلى الماضي…»
قالت ليان:
«فإن الأشخاص في المدينة الأولى لم يكونوا حضارة بشرية مجهولة.»
أكمل ريان:
«كانوا من زمننا.»
الذين سقطوا في الماضي
استخرجت المنارة ملفات أخرى من الرسالة القادمة.
ظهر تسجيل.
كان الصوت متضررًا.
لكن الصورة واضحة.
الدكتور ناصر.
أصغر مما ظهر في الصورة السابقة.
كان يجلس داخل المركبة.
قال:
«التاريخ غير معروف.»
«التجربة لم ترسلنا إلى المستقبل.»
«وصلنا إلى الأرض.»
«لكن النجوم…»
نظر إلى شيء خارج الكاميرا.
«ليست في مواقعها الصحيحة.»
ظهر عالم آخر خلفه.
قال:
«أجرينا الحسابات سبع مرات.»
ثم تنفس ببطء.
«نحن في الماضي.»
ظهر رقم على الشاشة:
تقريبًا 112,300 سنة قبل زمن الإطلاق.
قالت مريم:
«كيف عاشوا؟»
استمر التسجيل.
«المركبة تضررت.»
«لا نستطيع إعادة تشغيل الحقل.»
«لدينا سبعة أشخاص.»
«مؤن تكفي ستة أشهر.»
«وأرض لا توجد عليها أي مدينة تعرف أننا هنا.»
ثم ابتسم ناصر ابتسامة صغيرة.
«إذن سنبدأ بما نملك.»
انتهى التسجيل.
ظهر تسجيل بعد ثلاث سنوات.
مبانٍ صغيرة.
حقول زراعية.
ألواح طاقة.
قال ناصر:
«اليوم افتتحنا أول مركز دائم.»
«قررنا تسميته المدينة الأولى.»
ظهر خلفه نقش على مدخل المبنى:
الأرض أمانة.
قال ناصر:
«لسنا أصحاب هذا الزمن.»
«ولا يحق لنا أن نغيره كما نشاء.»
«هدفنا واحد.»
«البقاء.»
«وترك أقل أثر ممكن.»
قالت مريم:
«كانوا يعرفون أن تغيير الماضي قد يغير المستقبل.»
قال نوفا:
صحيح.
ثم ظهر تسجيل بعد اثني عشر عامًا.
أطفال.
قالت نورا:
«الأطفال؟»
قال ناصر:
«لم نعد سبعة.»
«بعضنا تزوج.»
«وُلد لنا أبناء.»
«ثم جاءت أسر جديدة.»
قال ريان:
«أسر جديدة؟ من أين؟»
انتقل التسجيل.
ظهرت الحلقة الزمنية.
قال ناصر:
«نجحنا أخيرًا في إرسال إشارة إلى زمننا.»
«لكننا ارتكبنا خطأ.»
تغير وجهه.
«الإشارة لم تصل إلى زمننا فقط.»
النداء
عرضت المنارة مخططًا.
خرجت الإشارة من الماضي.
مرت عبر الزمن.
لكنها لم تسلك خطًا واحدًا.
انتشرت.
إلى الأمام.
وإلى الخلف.
وإلى الفضاء.
قالت ليان:
«الإشارة التي استلمتها السفينة العملاقة…»
قال ريان:
«ساعدونا.»
قال نوفا:
هي نفسها.
قالت مريم:
«إذن لم يكن أحد على الأرض قبلهم يطلب المساعدة.»
«بل خالك وطاقمه.»
قال ريان:
«من المستقبل… بعدما علقوا في الماضي.»
ظهر تسجيل جديد.
كان ناصر أكبر سنًا.
قال:
«الإشارة جذبت شيئًا.»
«في البداية ظننا أنه استجابة من مستقبلنا.»
«لكن الجسم لم يأتِ من الأرض.»
ظهرت نقطة في السماء.
ثم مركبة.
قال:
«وصل القادمون.»
ظهر رمز الدائرة والخط.
نفس الرمز الموجود على السفينة العملاقة التي تقترب الآن من النظام الشمسي.
قال نوفا:
تطابق كامل.
قال ناصر:
«سمّيناهم أهل المسار.»
قال مازن:
«أفضل قليلًا من آزر الذي قال إن اسمه لا ينطق.»
واصل ناصر:
«لم يهاجمونا.»
«بل ساعدونا.»
ظهرت صور.
تقنيات جديدة.
مصادر طاقة.
مبانٍ.
أجهزة طبية.
قال:
«بمساعدتهم تحولت المدينة الصغيرة إلى مستوطنة حقيقية.»
ثم تغير وجهه.
«وهنا بدأ الخطأ الثاني.»
الخطأ الثاني
قال ناصر:
«وجودنا أصبح أكبر مما يجب.»
ظهرت المدينة.
آلاف الأشخاص.
قالت مريم:
«كيف أصبحوا آلافًا خلال سنوات؟»
قال نوفا:
ربما لم تكن المدة سنوات.
قال ريان:
«ماذا تقصد؟»
ظهرت خريطة الحقول الزمنية حول المدينة.
قالت ليان:
«الوقت داخلها مختلف.»
قال نوفا:
استنتاج صحيح.
قالت نورا:
«كم مختلف؟»
في بعض المناطق، عشر سنوات داخل المدينة تقابل عامًا واحدًا خارجها.
قال مازن:
«إذن حضارة كاملة يمكن أن تنمو بسرعة شديدة مقارنة بالعالم الخارجي.»
قال ريان:
«وهذا ما حدث.»
ظهر ناصر في تسجيل متأخر.
كان عجوزًا.
قال:
«مر علينا أكثر من مئة وثمانين عامًا داخل الحقل.»
شهقت هند.
قال:
«خالي عاش مئة وثمانين عامًا؟»
قال نوفا:
زمنيًا داخل المدينة، نعم.
قال ناصر:
«أحفادنا لم يعودوا يتذكرون زمننا الأصلي إلا من السجلات.»
«بعضهم يريد الخروج.»
«بعضهم يريد بناء مدن أخرى.»
«وبعضهم يعتقد أن الماضي أصبح وطننا.»
توقف.
«لكننا لسنا وحدنا.»
ظهرت سفن حضارة آزر.
قال ناصر:
«وصلت حضارة ثانية.»
«وحين اكتشفوا أهل المسار… بدأت الحرب.»
قال ريان:
«إذن الحرب التي أخبرونا أنها عمرها مئات آلاف السنين…»
قال نوفا:
قد تكون بدأت بسبب إشارة بشرية.
ساد الصمت.
قالت مريم:
«نحن السبب؟»
قال ريان:
«لا.»
نظر إليها.
«سبعة أشخاص حاولوا العودة إلى زمنهم ولم يعرفوا أن الإشارة ستخرج إلى الفضاء.»
«هذا ليس ذنب البشرية كلها.»
قال نوفا:
تمييز مهم.
مدينة تحت الأرض
وصل تسجيل أخير.
ناصر بدا شديد التعب.
قال:
«الحرب تقترب من الأرض.»
«أهل المسار يريدون حمايتنا.»
«أما القادمون الآخرون فيرون مدينتنا خللًا زمنيًا يجب إزالته.»
«تم بناء الشبكة الدفاعية.»
ظهرت البوابات السبع.
قال ريان:
«إذن السجين هو…»
قال نوفا:
ربما جزء من شبكة أهل المسار الدفاعية.
قال ناصر:
«لكن الشبكة بدأت تتطور بصورة لم يتوقعها أحد.»
«استطاعت امتصاص الطاقة وتحويلها إلى قوة دفاعية.»
«ومع كل هجوم… أصبحت أكبر.»
«أقوى.»
«وأقل قدرة على التمييز بين الصديق والعدو.»
قالت ليان:
«هذا هو الكيان.»
قال ناصر:
«سميناه المِداد.»
قال ريان:
«المِداد؟»
قال ناصر في التسجيل:
«لأنه كان يمتد من نظام إلى آخر كلما احتاج مزيدًا من الطاقة.»
ظهر المِداد.
شبكة مظلمة ضخمة.
قال:
«أهل المسار صنعوه للدفاع عن المدينة.»
«ثم فقدوا السيطرة عليه.»
قال مازن:
«إذن آزر لم يكذب بالكامل.»
قالت مريم:
«ولا الصدى.»
قال ريان:
«كل واحد أعطانا الجزء الذي يخدم روايته.»
قال ناصر:
«حين أدركنا أن المِداد قد يدمر الأرض، اقترحت إغلاق المدينة.»
«إنهاء الحقل الزمني.»
«وإخفاء كل شيء.»
«أهل المسار رفضوا.»
«قالوا إن المدينة أصبحت موطنًا لعشرات الآلاف.»
قالت هند:
«عشرات الآلاف؟»
ظهر رقم:
43,217 نسمة.
قال ريان:
«كلهم من نسل السبعة؟»
قال نوفا:
إضافة إلى من جرى استقدامهم لاحقًا على الأرجح.
قالت ليان:
«من زمننا؟»
قال ريان:
«ربما.»
ثم قال ناصر:
«وجدنا حلًا.»
«لن ندمر المِداد.»
«سنفصله عن شبكة المدينة.»
«ثم نضعه في حالة سبات داخل طبقات الأرض العميقة.»
ظهرت البوابات.
قال:
«السبع ليست سجنًا بالمعنى الذي سيظنه من يأتي بعدنا.»
«إنها مفاتيح توازن.»
«إذا بقيت متصلة، يبقى المِداد نائمًا.»
«والمدينة…»
توقف.
«تبقى خارج الزمن.»
قال ريان:
«خارج الزمن؟»
انتهى التسجيل.
الحقيقة الثالثة
قال ريان للكيان الحر:
«أنت المِداد.»
جاء الرد:
جزء منه. نعم.
«لماذا لم تقل؟»
لم تسأل عن الاسم.
قال مازن:
«بدأ يتعلم من نوفا.»
قال نوفا:
التعليق غير ضروري.
قال مازن:
«أثبت كلامي فورًا.»
قال ريان:
«هل المدينة الأولى لا تزال موجودة؟»
صمت المِداد.
ثم:
نعم.
قالت مريم:
«أين؟»
في المكان نفسه الذي كانت فيه.
«لكننا لا نراها.»
لأنها ليست في زمنكم بالكامل.
قالت ليان:
«داخل فقاعة زمنية.»
تقريب مقبول.
قال ريان:
«كم مر عليها من الوقت؟»
تأخر المِداد.
لا أعرف.
«تقدير.»
ظهرت حسابات.
قال نوفا:
وفق آخر حالة للحقل… قد يكون قد مر داخل المدينة ما بين اثني عشر ألفًا وثلاثين ألف عام.
لم يتكلم أحد.
قالت نورا:
«حضارة بشرية عاشت ثلاثين ألف سنة…»
قالت مريم:
«دون أن نعرف عنها شيئًا.»
قال ريان:
«هل سكانها أحياء؟»
قال المِداد:
الحقل لم ينطفئ.
«هذا ليس جوابًا.»
لا أستطيع رؤية الداخل.
قال ريان:
«من يستطيع؟»
جاء صوت من السفينة العملاقة التي تقترب منهم.
نحن.
أهل المسار
ظهر اتصال جديد.
هذه المرة لم يكن وجهًا غريبًا.
ظهر رجل.
بشري الملامح.
قال بالعربية:
«السلام عليكم.»
تبادل الجميع النظرات.
قال ريان:
«وعليكم السلام.»
قال الرجل:
«اسمي سليم.»
قال ريان:
«من أنت؟»
«أنا من نسل أهل المدينة الأولى.»
سكت ريان.
قال:
«قلت إن سفينتكم ليست بشرية.»
ابتسم سليم.
«كانت كذلك يومًا ما.»
قالت ليان:
«كيف يمكن أن تكونوا من سكان المدينة وأنتم أرسلتم إليها المساعدة؟»
قال سليم:
«لأنكم تفترضون أن الزمن خط واحد.»
ظهرت خريطة.
دوائر متشابكة.
قال:
«أسلافنا في المدينة الأولى تعلموا بعد آلاف السنين التحكم في الحقول الزمنية.»
«وفي إحدى مراحل تاريخهم… غادر بعضهم الأرض.»
قال ريان:
«إلى الفضاء؟»
«وإلى زمن آخر.»
قالت مريم:
«أي زمن؟»
نظر سليم إليها.
«مستقبلكم البعيد.»
ساد الصمت.
قال ريان:
«إذن أهل المسار…»
«بشر.»
قال سليم.
«أو على الأقل بدأنا كذلك.»
نظر ريان إلى آزر الذي ما زال اتصال سفينته قائمًا.
قال:
«هل كنت تعرف؟»
أجاب آزر:
كنا نشتبه.
قال سليم:
«بل كنتم تعرفون.»
قال آزر:
لا يوجد دليل كامل.
ابتسم سليم.
«بعد مئة ألف عام ما زلتم تحبون هذه الجملة.»
قال ريان:
«دعونا نفهم.»
«سبعة بشر من زماننا وقعوا في الماضي.»
«بنوا المدينة الأولى.»
«كبرت المدينة داخل حقل زمني.»
«أحفادهم تطوروا تقنيًا.»
«ثم غادر بعضهم الأرض وأصبحوا أهل المسار.»
قال نوفا:
التسلسل متوافق مع البيانات المتوفرة.
قال ريان:
«ثم عاد أهل المسار إلى ماضي أجدادهم استجابة لنداء ساعدونا.»
قالت ليان:
«يعني أن سبب وصولهم إلى المدينة… هو أن المدينة نفسها أنتجتهم مستقبلًا.»
قال مازن:
«بدأ رأسي يؤلمني.»
قال نوفا:
المشكلة تسمى حلقة سببية.
قال مازن:
«لم أطلب اسمًا لها.»
قالت مريم:
«إذن من بدأ الحلقة؟»
صمت سليم.
قال ريان:
«هذا سؤال مهم.»
قال سليم:
«لا نعرف.»
«لم نجد نقطة بداية.»
«المدينة أوجدت أهل المسار.»
«وأهل المسار ساعدوا على بقاء المدينة.»
«كل واحد سبب لوجود الآخر.»
قالت مريم:
«هذا مستحيل.»
قالت ليان:
«وفق فهمنا الحالي للزمن، ربما.»
قال ريان:
«لكننا لا نحتاج أن نفهم كل شيء الآن.»
نظر إلى سليم.
«لماذا جئتم؟»
الرسالة القديمة
قال سليم:
«لأن المدينة الأولى أرسلت نداءين.»
«الأول هو ساعدونا.»
«استلمناه قبل زمن طويل.»
«والثاني… وصل إلينا منذ أيام فقط.»
قال ريان:
«ماذا يقول؟»
اختفت ملامح الهدوء عن وجه سليم.
قال:
«لا تفتحوا المدينة.»
قالت مريم:
«ممن؟»
«من داخل المدينة نفسها.»
قال ريان:
«من أرسلها؟»
قال سليم:
«ناصر السلمان.»
تجمد ريان.
«مستحيل.»
قال سليم:
«الرسالة تحمل توقيعه العصبي.»
قال هند:
«لكن مر عليه آلاف السنين داخل المدينة.»
قال سليم:
«لهذا جئنا.»
شغّل الرسالة.
ظهر ناصر.
كان أكبر بكثير.
لكن حيًا.
خلفه أضواء حمراء.
قال:
«إذا وصل هذا التسجيل… فلا تحاولوا فتح الحقل.»
«المدينة الأولى لم تعد كما تركناها.»
«حدث شيء في الداخل.»
توقف.
سمعوا أصوات إنذار خلفه.
قال:
«اكتشفنا أن الحقل لا يعزل الزمن فقط.»
«إنه يربط احتمالات مختلفة منه.»
قالت ليان:
«احتمالات؟»
قال ناصر:
«كل قرار كبير صنع نسخة ممكنة من المدينة.»
ظهرت عشرات الصور.
مدينة مزدهرة.
مدينة مدمرة.
مدينة فارغة.
مدينة مغطاة بهياكل معدنية.
قال ناصر:
«وفي البداية كانت هذه الاحتمالات منفصلة.»
ثم تغير وجهه.
«لكنها بدأت تتقاطع.»
قال ريان:
«ماذا يعني تتقاطع؟»
أجاب التسجيل:
«بدأ أشخاص يتذكرون حياة لم يعيشوها.»
«أبنية تظهر في أماكن لم تُبن فيها.»
«أناس يختفون ثم يعودون وقد مرت عليهم سنوات.»
«ثم بدأنا نرى… أنفسنا.»
ظهرت صورة لرجلين متطابقين يقفان مقابل بعضهما.
قالت مريم:
«نسخ؟»
قال ناصر:
«ليسوا نسخًا.»
«كل واحد منهما حقيقي.»
«لكنه جاء من احتمال مختلف.»
اهتز التسجيل.
قال ناصر بسرعة:
«نحاول تثبيت خط زمني واحد.»
«لكن شيئًا في قلب المدينة يمنعنا.»
«شيء اكتشف أن كل احتمال يمنحه فرصة جديدة للبقاء.»
قال ريان:
«المِداد؟»
قال الكيان:
ليس أنا.
تابع ناصر:
«سميناه المرآة.»
ظهر رمز.
دائرتان متداخلتان.
قال:
«إن خرجت المرآة من الحقل، لن تنقسم المدينة فقط.»
«قد يبدأ الزمن خارجها بالتشعب أيضًا.»
توقف.
ثم نظر مباشرة إلى الكاميرا.
«ريان…»
تجمد.
قال مريم:
«قال اسمك.»
قال ناصر:
«إذا كنت أنت من يشاهد هذه الرسالة، فهذا يعني أن الحلقة وصلت إلى المرحلة التي توقعتها.»
اقترب ريان من الشاشة.
«كيف يعرفني؟»
قال ناصر:
«ستريد أن تأتي إلى المدينة.»
«لا تفعل.»
ثم:
«حتى لو رأيتني.»
«حتى لو سمعت صوتي.»
«حتى لو أخبرتك أنني أستطيع إعادة والدك.»
انقطع التسجيل.
ساد الصمت.
قالت هند:
«كيف يعرف عن سلمان؟»
قال ريان:
«لأنه داخل المدينة يرى احتمالات زمنية مختلفة.»
قالت ليان:
«وربما أحدها يتقاطع مع زمننا.»
قال نوفا:
احتمال منطقي ضمن النموذج الحالي، رغم أن النموذج نفسه شديد عدم اليقين.
قال مازن:
«ترجمتها؟»
قال ريان:
«نحن لا نفهم ما يحدث.»
قال نوفا:
تبسيط مقبول.
الإشارة من الأرض
جاء تنبيه.
قال الجد عبدالرحمن:
«لدينا أمر عاجل.»
ظهرت خريطة الأرض.
موقع الرياض 7.
ثم نقطة على بعد أكثر من أربعمئة كيلومتر.
قال:
«ظهر حقل طاقة جديد.»
قال ريان:
«بوابة؟»
«لا.»
قال نوفا:
البوابات جميعها مستقرة.
قال الجد:
«الصحراء تغيرت.»
ظهرت صورة من قمر صناعي.
وسط الرمال ظهر طريق.
طريق مستقيم.
لم يكن موجودًا قبل ساعة.
يمتد عشرات الكيلومترات.
وفي نهايته…
مدينة.
قالت مريم:
«المدينة الأولى.»
قال سليم بصوت منخفض:
«لا.»
قال ريان:
«ماذا؟»
قال:
«المدينة الأولى لا يمكن أن تظهر بهذا الشكل إلا إذا انخفض استقرار الحقل إلى مستوى خطير.»
قالت ليان:
«يعني أنها تدخل زمننا.»
قال سليم:
«أو أن زمنكم يدخل زمنها.»
ظهرت قراءة.
استقرار الحقل: 84%
ثم:
82%.
79%.
قال نوفا:
الانخفاض يتسارع.
قال ريان:
«كم لدينا؟»
غير معروف.
قال مازن:
«هذه إجابة أصبحت مألوفة أكثر مما أريد.»
ظهرت صورة مباشرة للطريق.
في بدايته وقف شخص.
وحيدًا.
قال الجد:
«هناك أحد بالخارج.»
قال ريان:
«كبّر الصورة.»
كبرت.
رجل مسن.
ثياب غريبة تجمع بين أسلوب حديث وتقنية لا يعرفونها.
رفع رأسه نحو القمر الصناعي.
وكأنه يعرف أنهم ينظرون إليه.
ثم رفع يده.
ظهرت في كفه شاشة ضوئية.
رسالة واحدة:
ريان فقط.
قالت هند:
«لا.»
قال ريان:
«أمي…»
«خالك حذرك بنفسه.»
قالت مريم:
«وقد يكون الشخص في الصورة ليس خاله أصلًا.»
قال نوفا:
مطابقة الوجه مع ناصر السلمان: 99.91%.
قال مازن:
«أحيانًا أتمنى ألا تكون دقيقًا.»
فتح الرجل قناة اتصال.
ظهر ناصر.
هذه المرة لم يكن تسجيلًا.
تحرك لحظيًا.
قال:
«السلام عليك يا ريان.»
رد ريان بعد تردد:
«وعليك السلام.»
ابتسم ناصر.
«تشبه والدك أكثر مما توقعت.»
قال ريان:
«هل أنت ناصر؟»
«نعم.»
«أرسلت رسالة تقول لي ألا آتي.»
«صحيح.»
«والآن تطلب مني أن آتي وحدي.»
صمت ناصر.
ثم قال:
«لأن الرسالة لم أرسلها أنا.»
قالت مريم:
«ماذا؟»
قال ناصر:
«أرسلها ناصر آخر.»
قال ريان:
«من احتمال آخر؟»
«نعم.»
قال ليان:
«أي واحد منكما الحقيقي؟»
ابتسم ناصر بحزن.
«كلاهما.»
قال ريان:
«لماذا تريدني؟»
نظر ناصر خلفه.
كانت المدينة تلمع بعيدًا.
أبراج لا تشبه أي شيء على الأرض.
قال:
«لأن المرآة اختارتك.»
«لماذا؟»
«لأنك الشخص الوحيد في خطكم الزمني الذي اتصل بثلاث شبكات مستقلة.»
«نوفا.»
«الصدى.»
«المنارة.»
قال ريان:
«وما علاقة ذلك؟»
قال ناصر:
«عقلك يحمل آثارًا زمنية من الثلاثة.»
«أنت نقطة تثبيت.»
قالت ليان:
«نقطة تثبيت ماذا؟»
قال ناصر:
«إذا دخل ريان المدينة، نستطيع تثبيت احتمال واحد.»
قالت هند:
«وإذا لم يدخل؟»
صمت.
قال ريان:
«أجب.»
قال ناصر:
«المدينة ستستمر في الانقسام.»
«ثم تنتشر الانقسامات إلى الخارج.»
قال ريان:
«وإذا دخلت؟»
نظر ناصر إليه.
«قد لا تستطيع العودة إلى نفس الأرض التي غادرتها.»
قالت مريم:
«ماذا يعني نفس الأرض؟»
قال ناصر:
«قد يعود إلى احتمال آخر.»
«أرض تختلف في تفصيلة واحدة.»
«أو مليون تفصيلة.»
قال ريان:
«وقد لا أعود أصلًا.»
صمت ناصر.
«نعم.»
قالت هند:
«لا تذهب.»
قال الجد عبدالرحمن:
«ريان، فكر.»
قال مازن:
«لدينا علماء. يمكننا البحث عن حل آخر.»
قالت ليان:
«وأنا أوافق.»
أما مريم فلم تقل شيئًا.
نظر إليها ريان.
«وأنت؟»
قالت:
«أريد أن أقول لا.»
سكتت.
«لكنني تعلمت منك شيئًا.»
«ماذا؟»
«ألا أتخذ قرارًا عن شخص آخر فقط لأنني أخاف عليه.»
نظر إليها طويلًا.
قالت:
«لذلك سأقول شيئًا واحدًا.»
«إذا ذهبت… لن تذهب وحدك.»
قال ناصر بسرعة:
«ريان فقط.»
التفتت مريم إلى الشاشة.
«هذا الجزء من خطتك لن يعجبني.»
ابتسم ريان رغم الموقف.
ثم قال لناصر:
«لن أقرر الآن.»
قال ناصر:
«ليس أمامك وقت طويل.»
ظهرت القراءة:
استقرار الحقل: 61%.
قال ناصر:
«عندما يصل إلى خمسين بالمئة، تبدأ نقاط الاتصال الدائمة.»
قال ريان:
«وماذا يحدث عند الصفر؟»
نظر ناصر إلى المدينة.
قال:
«لن يكون هناك ماضٍ واحد ومستقبل واحد لهذه المنطقة.»
«كل احتمال يمكن أن يصبح حقيقة.»
في تلك اللحظة قال نوفا:
ريان.
«ماذا؟»
هناك شيء آخر.
ظهر تحليل الصورة.
قال:
رصدت شخصًا ثانيًا خلف ناصر.
قال ناصر فورًا:
«لا.»
التفت.
لكن الصورة كبرت قبل أن يقطع الاتصال.
كان هناك شخص يقف عند مدخل المدينة.
شاب.
في السابعة عشرة تقريبًا.
نظر ريان إلى وجهه.
وتراجع خطوة.
قالت مريم:
«هذا…»
قالت هند:
«مستحيل.»
الشاب كان ريان.
ليس صورة.
ولا انعكاسًا.
نسخة أكبر قليلًا منه.
ربما في الخامسة والعشرين.
رفع ذلك الريان يده.
وقال:
«لا تصدقه.»
نظر ناصر إليه بغضب.
ثم انقطع الاتصال.
ظهرت إشارة أخرى مباشرة.
من ريان الآخر.
قال:
«إذا دخلت المدينة الآن…»
توقف.
نظر خلفه بخوف.
«سترتكب الخطأ نفسه الذي ارتكبته أنا.»
قال ريان:
«من أنت؟»
ابتسم الآخر بحزن.
«أنا أنت.»
«من احتمال لم تختره بعد.»
قال ريان:
«ماذا فعلت؟»
صمت الآخر.
ثم قال:
«أنقذت المدينة.»
نظر ريان إليه.
«أين الخطأ؟»
خفض الآخر رأسه.
وقال:
«لأن المدينة لم تكن هي التي تحتاج إلى الإنقاذ.»
خلفه بدأ شيء ضخم يتحرك بين الأبراج.
قال ريان:
«إذن ماذا أنقذت؟»
رفع ريان الآخر عينيه.
قال:
«المرآة.»
ثم صرخ:
«مهما رأيت داخل المدينة… لا تسمح لها بأن تعرض عليك العالم الذي تتمناه.»
اختفى الاتصال.
ظهر المؤشر:
استقرار الحقل: 49%.
قالت ليان:
«وصلنا إلى خمسين.»
نظر الجميع إلى الأرض.
بدأت المدينة تتمدد.
ولكنها لم تظهر وحدها.
على يمينها ظهرت مدينة ثانية.
ثم ثالثة.
ثلاث نسخ من المكان نفسه.
في الأولى كانت الأبراج مضيئة.
وفي الثانية محترقة.
أما الثالثة…
فكانت خالية تمامًا.
قال نوفا:
رصدت ثلاث نقاط اتصال زمنية مستقرة.
قال مازن:
«وثلاث مدن؟»
نعم.
قال ريان:
«أي واحدة هي الحقيقية؟»
قال نوفا:
السؤال غير صحيح.
«لماذا؟»
الثلاث جميعًا حقيقية.
ساد الصمت.
ثم قال:
ولدينا مشكلة أكبر.
قال ريان:
«ماذا أيضًا؟»
ظهرت خريطة العالم.
نقطة في الرياض.
ثم القاهرة.
ثم إسطنبول.
ثم لندن.
ثم طوكيو.
ثم نيويورك.
واحدة تلو الأخرى.
قالت مريم:
«ما هذه النقاط؟»
أجاب نوفا:
تشوهات زمنية جديدة.
قال ريان:
«المرآة خرجت من المدينة؟»
ليس بعد.
«إذن لماذا تنتشر؟»
تأخر نوفا في الإجابة.
ثم قال:
لأن شيئًا من المدينة خرج قبلنا بسنوات.
ظهرت صورة.
وجه مألوف.
ريان لم يفهم في البداية.
ثم أدرك.
قال:
«لا.»
كانت الصورة لرجل عاش بينهم طوال الوقت.
رجل ساعد في بناء مشروع البداية.
رجل شارك في تصميم حارس.
رجل يعرف أسرار والده.
رجل لم يشك فيه أحد.
عبدالرحمن سلمان.
جده.
نظر ريان إلى شاشة الاتصال.
كان الجد هناك.
صامتًا.
قال ريان:
«جدي؟»
لم يجب.
قال نوفا:
أجريت مقارنة زمنية لخلاياه باستخدام بيانات المنارة.
«والنتيجة؟»
قال نوفا:
العمر الزمني الفعلي لجسد عبدالرحمن لا يتطابق مع تاريخ ميلاده.
نظر الجد إلى ريان.
قال ريان:
«من أنت؟»
أغمض عبدالرحمن عينيه.
ثم قال:
«كنت أتمنى ألا تعرف بهذه الطريقة.»
قالت هند:
«أبي؟»
رفع الرجل رأسه.
وعلى وجهه حزن لم يره ريان من قبل.
قال:
«اسمي عبدالرحمن فعلًا.»
«وأنا جدك فعلًا.»
قال ريان:
«لكن؟»
نظر عبدالرحمن إلى المدينة الأولى على الشاشة.
ثم قال:
«لكنني وُلدت هناك.»
