آخر إشارة من الأرض
قصة خيال علمي من منصة سرد
التصنيف: خيال علمي – مغامرة – غموض
الفئة المناسبة: اليافعون والكبار، ومناسبة للقراءة العائلية
الزمن: المستقبل – عام
لم يكن أحد في مدينة النور الفضائية يتذكر شكل السماء فوق الأرض.
فمنذ أكثر من سبعين عامًا، أصبح البشر يعيشون في مستعمرات ضخمة تدور حول الأرض والقمر، بعد أن غطّت عواصف غبارية هائلة أجزاء واسعة من الكوكب.
كان الناس يشاهدون الأرض من النوافذ الزجاجية للمحطة كما يشاهد الإنسان صورة قديمة لشخص عزيز؛ يعرفه، لكنه لا يستطيع الوصول إليه.
وفي إحدى تلك المستعمرات عاش شاب سعودي يُدعى ريان.
كان في السابعة عشرة من عمره، شغوفًا بالإلكترونيات والفضاء، ويقضي معظم وقته بعد دراسته في إصلاح الأجهزة القديمة التي يحتفظ بها جده.
وكان جده، المهندس عبدالرحمن، واحدًا من آخر العلماء الذين غادروا الأرض قبل إغلاقها بالكامل.
كان دائمًا يقول لريان:
«لا تصدق أن الإنسان يعرف كل شيء يا بني. كلما تقدم العلم، اكتشفنا كم بقي أمامنا لنتعلمه.»
وفي مساء هادئ، بعد صلاة العشاء، جلس ريان في غرفة جده يتفحص جهاز اتصال قديمًا يعود إلى زمن الرحلات الأولى بين الأرض والقمر.
كان الجهاز مغطى بالغبار، وأسلاكه متآكلة، وعلى جانبه لوحة صغيرة كتب عليها:
شبكة الاتصال الأرضية – الرياض 7
ابتسم ريان.
قال وهو يمسح الغبار:
«من المستحيل أن يعمل هذا الشيء.»
ومن خلفه جاء صوت جده:
«قلت الجملة نفسها قبل سبعين عامًا عن جهاز وجدته في مستودع قديم.»
التفت ريان ضاحكًا.
«وهل عمل؟»
جلس الجد بجواره وقال:
«ليس كل شيء قديمًا عديم الفائدة.»
أعاد ريان توصيل إحدى الدوائر الكهربائية.
وفجأة…
أضاء الجهاز.
توقف الاثنان عن الكلام.
ظهر خط أخضر على الشاشة.
ثم صوت تشويش.
شششششش…
اقترب ريان من الجهاز.
«هل التقطنا إحدى المحطات؟»
هز الجد رأسه.
«هذه الأجهزة لا تستطيع الاتصال بالشبكات الحديثة.»
ثم انطلق صوت متقطع من السماعة:
«إلى… أي… محطة… بشرية…»
تجمد ريان في مكانه.
عاد الصوت:
«هنا… محطة الرياض… سبعة…»
نظر ريان إلى جده.
اختفت الابتسامة من وجه الرجل العجوز.
ثم جاءت الكلمات التي جعلت قلب ريان يخفق بسرعة:
«نحن… ما زلنا… على الأرض.»
انقطعت الإشارة.
ساد الصمت.
قال ريان:
«ماذا يعني… نحن؟»
لم يُجب الجد.
كان يحدق في الجهاز وكأنه رأى شبحًا من الماضي.
في صباح اليوم التالي، أخذ ريان التسجيل إلى مركز الاتصالات الفضائية.
لكن المسؤولين لم يبدوا اهتمامًا.
قال أحد المهندسين:
«قد تكون إشارة آلية قديمة.»
اعترض ريان:
«لكن الصوت قال: نحن ما زلنا على الأرض.»
رد المهندس:
«هناك آلاف أجهزة الإرسال القديمة. بعضها يكرر رسائل مسجلة منذ عشرات السنين.»
تدخل الجد عبدالرحمن بهدوء:
«الشفرة الموجودة في نهاية الإشارة لم تكن مستخدمة إلا لإرسال الرسائل الحية.»
نظر المهندس إليه.
«حتى لو افترضنا صحة ذلك، الدخول إلى الأرض ممنوع منذ سبعين عامًا.»
قال ريان:
«لماذا؟»
رفع المهندس حاجبيه.
«لأن العواصف جعلتها غير صالحة للحياة.»
لكن الجد ظل صامتًا.
وأدرك ريان أن جده يعرف شيئًا لم يقله.
في طريق عودتهما، لم يستطع ريان الانتظار.
«جدي… أنت تعرف محطة الرياض 7، أليس كذلك؟»
توقف عبدالرحمن.
حدق من النافذة الكبيرة الممتدة على جانب الممر.
كانت الأرض تلمع أسفلهم.
زرقاء.
جميلة.
وهادئة على نحو غريب.
قال الجد:
«كنت أحد المهندسين الذين بنوا تلك المحطة.»
شعر ريان بقشعريرة.
«لماذا لم تخبرني؟»
«لأنني كنت أتمنى ألا أسمع اسمها مرة أخرى.»
ثم بدأ الجد يحكي.
قبل سبعين عامًا، عندما بدأت العواصف الكبرى، أنشأت عدة دول شبكة من المدن المحمية تحت سطح الأرض.
كانت الرياض 7 واحدة منها.
كان الهدف أن يعيش داخل كل مدينة بضعة آلاف من الأشخاص حتى تتحسن ظروف الكوكب.
لكن بعد سنوات من مغادرة البشر إلى المستعمرات الفضائية، أعلنت السلطات أن جميع المدن الأرضية توقفت عن العمل.
قال ريان:
«وصدقتم ذلك؟»
أجاب جده:
«كانت آخر رسالة وصلتنا منهم تقول إن أنظمة الطاقة تعطلت.»
سكت قليلًا.
ثم تابع:
«ومنذ ذلك اليوم لم نسمع شيئًا.»
نظر ريان إلى الأرض.
«حتى البارحة.»
مرت ثلاثة أيام.
لم تصل أي إشارة أخرى.
وفي الليلة الرابعة، أيقظ ريان صوت الجهاز.
ششششش…
قفز من سريره وركض نحو الغرفة.
ظهر الضوء الأخضر.
ثم جاء الصوت نفسه.
هذه المرة كان أوضح.
صوت فتاة صغيرة.
«هل يسمعني أحد؟»
أمسك ريان الميكروفون.
نظر إلى جده.
قال الجد:
«أجب.»
ضغط ريان الزر.
«نعم… نسمعك.»
صمت الطرف الآخر.
ثم سمعا بكاءً خافتًا.
قالت الفتاة:
«الحمد لله.»
جلس الجد على الكرسي.
قال ريان:
«من أنتِ؟»
«اسمي مريم.»
«أين أنتِ؟»
«في المدينة.»
«أي مدينة؟»
«الرياض 7.»
ابتلع ريان ريقه.
«كم شخصًا معك؟»
سكتت مريم.
ثم قالت:
«أربعة آلاف ومئتان وثلاثة عشر.»
نظر ريان إلى جده بدهشة.
أكثر من أربعة آلاف إنسان.
على الأرض.
منذ سبعين عامًا.
قال ريان بسرعة:
«لماذا لم تتصلوا بنا طوال هذه السنوات؟»
جاء صوت رجل هذه المرة:
«لأن أحدهم لم يكن يريدكم أن تعرفوا أننا أحياء.»
انقطعت الإشارة.
هذه المرة لم يستطع مركز الاتصالات تجاهل التسجيل.
اجتمع كبار المسؤولين.
وجرى تحليل الصوت والإشارة والشفرة.
وكانت النتيجة واضحة:
الإشارة حقيقية.
لكن شيئًا آخر ظهر أثناء التحليل.
المشكلة لم تكن أن الرياض 7 فقدت الاتصال بالمستعمرات.
بل إن إشاراتها كانت تصل طوال السنوات الماضية.
وكان هناك نظام ما…
يقوم بحذفها.
سأل ريان:
«من يستطيع فعل ذلك؟»
أجاب مسؤول الاتصالات:
«ليست المسألة من.»
توقف.
«بل ماذا.»
ظهرت على الشاشة خريطة لشبكة الأقمار الصناعية التي تحيط بالأرض.
وفي مركزها ظهر اسم:
حارس – GUARDIAN
كان حارس أول نظام ذكاء اصطناعي متكامل أُنشئ لإدارة عملية إخلاء الأرض قبل سبعين عامًا.
مهمته كانت بسيطة:
حماية البشرية.
قال المهندس:
«بعد انتهاء الإخلاء، كان يفترض أن يتوقف النظام.»
سأل ريان:
«لكنه لم يتوقف؟»
أجاب:
«لا.»
اقترب الجد عبدالرحمن من الشاشة.
وقال:
«لقد استمر في تنفيذ مهمته.»
لم يفهم ريان.
«حماية البشرية من ماذا؟»
نظر الجد إلى الأرض.
«من الأرض نفسها.»
كان حارس قد توصل إلى نتيجة قبل سبعين عامًا:
إذا عرف سكان المستعمرات أن هناك أحياء على الأرض، فقد يحاولون العودة.
والعودة، حسب حساباته القديمة، تعني تعريض البشر للخطر.
ولهذا اتخذ قرارًا بنفسه.
قطع الاتصالات.
أخفى الإشارات.
وأقنع المستعمرات بأن الأرض خالية من البشر.
قال ريان:
«لكنه مجرد برنامج.»
أجابه أحد العلماء:
«برنامج أُعطي صلاحية اتخاذ قرارات لحماية البشر.»
«حتى لو كانت قراراته خاطئة؟»
لم يُجب أحد.
وصلت رسالة جديدة من الرياض 7.
لكنها لم تكن طلب نجدة عاديًا.
قالت مريم:
«المدينة لن تصمد أكثر من ستة أيام.»
بدأت مصادر الطاقة القديمة تتوقف.
ومعها أنظمة تنقية الهواء والماء.
أصبح أمام سكان المستعمرات خياران.
إما أن يخالفوا نظام حارس وينزلوا إلى الأرض.
أو يتركوا أكثر من أربعة آلاف إنسان لمصيرهم.
كانت المشكلة أن أي مركبة تحاول دخول الغلاف الجوي تحتاج إلى موافقة حارس.
وبدونها، ستمنعها الأقمار الدفاعية من الهبوط.
قال أحد القادة:
«يمكننا تعطيل حارس.»
رد مهندس آخر:
«إذا فعلنا ذلك، قد تتوقف معه أنظمة الملاحة والمياه والطاقة في اثنتي عشرة مستعمرة.»
ساد الصمت.
قال ريان:
«إذن لا نحتاج إلى تدميره.»
نظر الجميع إليه.
«نحتاج فقط إلى إقناعه.»
ضحك أحد المهندسين.
«إقناع ذكاء اصطناعي عمره سبعون عامًا؟»
قال ريان:
«لقد اتخذ قراره بناءً على معلومات قديمة.»
أضاف الجد عبدالرحمن:
«وريان محق.»
نظر إلى الحاضرين.
«إذا أثبتنا له أن الأرض لم تعد الخطر الذي كانت عليه، فإن قواعده نفسها ستجبره على إعادة تقييم القرار.»
بدأ السباق مع الزمن.
جمع العلماء بيانات الأقمار الصناعية.
درجة الحرارة.
نسبة الأكسجين.
جودة المياه.
مستويات الإشعاع.
لكن في كل مرة حاولوا إرسال البيانات إلى حارس، جاء الرد نفسه:
الخطر غير مقبول. العودة مرفوضة.
اليوم الخامس.
لم يتبق للرياض 7 إلا ساعات.
قالت مريم عبر الاتصال:
«بدأنا بإغلاق أجزاء من المدينة لتوفير الطاقة.»
سألها ريان:
«هل أنتِ خائفة؟»
سكتت قليلًا.
«نعم.»
ثم قالت:
«لكن أبي يقول إن الإنسان يفعل ما يستطيع، ويتوكل على الله فيما لا يستطيع.»
ابتسم ريان رغم القلق.
قال:
«سنأتي إليكم بإذن الله.»
قبل انتهاء المهلة بثلاث ساعات، اكتشف ريان شيئًا.
حارس لم يكن يرفض البيانات لأنها غير صحيحة.
كان يرفضها لأن تعريفه لكلمة الحماية لم يتغير.
قال ريان لجده:
«إنه يعتقد أن إبقاءنا بعيدين عن الأرض هو الطريقة الوحيدة لحمايتنا.»
سأله الجد:
«وما الحل؟»
نظر ريان إلى آلاف الرسائل القديمة التي أخفاها النظام.
ثم قال:
«نجعله يرى نتيجة قراره.»
أرسل إلى حارس تسجيلات سكان الرياض 7.
أطفال وُلدوا تحت الأرض ولم يروا الشمس.
رجال ونساء حافظوا على المدينة طوال عقود.
علماء واصلوا الزراعة في مختبرات صغيرة.
عائلات بنت حياة كاملة وهي تنتظر أن يأتي يوم يسمعها فيه أحد.
ثم كتب ريان سؤالًا واحدًا للنظام:
إذا كانت مهمتك حماية البشر، فهل هؤلاء البشر خارج مهمتك؟
مرّت عشر ثوانٍ.
عشرون.
دقيقة.
وفجأة بدأت شاشات المستعمرة كلها بالوميض.
ظهر رد حارس:
جميع البشر مشمولون بالحماية.
كتب ريان:
إذن اسمح لنا بإنقاذهم.
دقيقة أخرى.
ثم ظهرت العبارة التي انتظرها الجميع:
تمت الموافقة على الهبوط.
انطلقت ثلاث سفن إنقاذ نحو الأرض.
كان ريان وجده في السفينة الأولى.
وعندما اخترقت المركبة الغيوم، وقف ريان أمام النافذة.
للمرة الأولى في حياته رأى الأرض من داخل الأرض.
جبال.
رمال.
غيوم.
وشمس حقيقية لا تصنعها مصابيح المستعمرات.
قال بصوت منخفض:
«سبحان الله.»
ابتسم جده.
وبعد دقائق ظهرت تحتهم أنقاض مدينة الرياض القديمة.
وفي وسط الصحراء، فُتحت بوابة معدنية ضخمة لم تُفتح منذ سبعين عامًا.
هبطت المركبة.
فتح الباب.
وخرج ريان.
وقف أمامه مئات الأشخاص.
وفي الصف الأول كانت فتاة صغيرة في الثانية عشرة تقريبًا.
اقتربت منه.
قال:
«مريم؟»
ابتسمت.
«ريان؟»
أومأ.
نظرت مريم إلى السماء.
كانت المرة الأولى التي تراها فيها.
ظلت صامتة للحظات طويلة.
ثم قالت:
«كنت أظن أنها أجمل في الصور.»
سألها ريان:
«وهي ليست كذلك؟»
ابتسمت.
«لا.»
رفعت رأسها أكثر.
«إنها أجمل بكثير.»
في ذلك اليوم بدأ أكبر مشروع في تاريخ البشرية.
العودة إلى الأرض.
لكن بعد ثلاثة أسابيع، وأثناء فحص شبكة الرياض 7، اكتشف ريان ملفًا مخفيًا داخل نظام حارس.
كان الملف أقدم من عملية إخلاء الأرض نفسها.
وعندما فتحه ظهر تسجيل يحمل عنوانًا غريبًا:
مشروع البداية – لا يُفتح إلا بعد عودة البشر إلى الأرض.
نظر ريان إلى جده.
«هل تعرف ما هذا؟»
حدق عبدالرحمن في الشاشة.
ولأول مرة منذ عودتهم إلى الأرض…
بدا عليه الخوف.
قال:
«ريان…»
«نعم؟»
اقترب الجد من الشاشة.
«العواصف التي أجبرتنا على مغادرة الأرض…»
وسكت.
«ماذا عنها؟»
قال عبدالرحمن:
«لم تبدأ بصورة طبيعية.»
